الثلاثاء، 24 أغسطس، 2010

Farewell!


في حفل الوداع القادم لن أبكي...سوف أودع أصدقائي بهدوء ثم أفارقهم بهدوء...يقولون إنهم سيبكون كثيرا في حفل وداعي...ويقسمون على أني سأكون أكثرهم بكاء...لكني لن أبكي...قلت لهم إني لن أبكي...لكنهم لا يصدقون! لا وقت للبكاء الآن...فلدي أشياء كثيرة جدا يجب أن أتذكرها قبل أن أعود إلى الوطن...

حقيبتي كبيرة جدا...ورواياتي ثقيلة جدا...وأوراقي مبعثرة جدا
وأقراطي راوغتني وضاعت وسط أشيائي...وزجاجة العطر قاربت على النفاد...وقلم الكحل صغير جدا جدا...بالكاد يكفي زينتي يوم الرحيل...بالكاد يكفي لأن يداري شحوب الصيام...بالكاد يكفي لأن يجعل وجهي مشرقا قليلا من أجل أن يطمئن أبي وأمي أني بخير لحظة أن يرياني في زحام مطار القاهرة!
اشتريت لأمي أشياء حلوة...ولأختي...لكن كل الأشياء هنا غالية جدا...ونقودي قليلة جدا!
التقرير الذي أعكف على تحريره الآن وقبل إنهاء عقدي طويل جدا...
ومطالب رئيسي ملحة جدا

وأدراج مكتبي محشوة بأشياء لا أعلم عنها شيئا! أشياء راكمتها في شرودي المزمن عبر شهور مرت بطيئة جدا!
حتى أغسطس هنا...ممطر جدا! وصوت الرعد يخيفني جدا!
مقاهي طلعت حرب أوحشتني جدا
والقهوة على الريحة رائحتها ملتصقة بأنفي طيلة الوقت...جدا!
لم أقرأ أخبار الأدب منذ أسابيع طويلة جدا
ولم أصل باكية في "سيدنا الحسين" منذ أمد بعيد جدا

أصدقائي هنا يدبرون لحفل وداعي باجتهاد...
يعدون خطابات منمقة ليشكروني...ويعتزمون البكاء كما ينبغي...ويجمعون العملات الفضية من جيوبهم كي يبتاعوا لي شيئا صغيرا يذكرني بأيامهم...
لكني لن أبكي!
لا وقت للبكاء يا أصدقائي...ولا طاقة ...فأنا مستهلكة جدا!

السبت، 21 أغسطس، 2010

رسالتي إلى زعيم جمهورية تيت المعظم!






زعيم جمهورية تيت المعظم

بعد السلام عليكم ورحمة الله,

لما كنت أنت أنت وإحنا إحنا...ولما كنا اخترناك وبايعناك على ولاية أمور تيت...فإن لك علينا ما للحاكم على الرعية من السمع والطاعة...فإن طاعة الحاكم واجبة وإن جار وبغى..و المجاهرة بالنكير على الحاكم لها ما لها من عواقب نعوذ بالله منها...وإن حاكما ظلوم خير من فتنة تدوم!

لكن لما كنت أعتبر نفسي من أهل الحل والعقد (بلطجة كدة!) فقد سمحت لمداد ريشتي ( الكيبورد!) أن ينساب على ورق كتابي هذا بالعتب على حاكم تيت المعظم...كتاب لا يروم صاحبه من روائه إلا صالح الجماعة...

الفتنة يا مولانا الفتنة!

لعن الله من أيقظها.. ألف مرة!

فإني من متابعة أحوال رعية تيت يا أعزك الله وسدد خطاك, واجدة نساء الرعية في تيت في حال غير الحال...فقد استبد الغضب بهن واشتد الأمر عليهن...واجتمعن يتباحثن (تخيل؟!) ما آل إليه حال العباد في البلاد...

فنساء تيت يا مولانا المعظم يستاءلن: هو ليه فيه شح في أصوات النساء في راديو تيت...ولا تحسبن أني من الفيمنستس والعياذ بالله...بس بجد ليه؟

و يزيد الطين بلة أن الحال ذاته ينسحب على حال الستاند آب كوميدي..وإن كان حال الستاند آب كوميدي لا يقع في دائرة ما يسأل عنه حاكم تيت لا أمام الرعية ولا أمام الله يوم يبعثون

هل الرعية إزاء "ديسكرمينيشن" عافانا الله وإياكم؟؟

ولا احنا دمنا تقيل ولا إيه ؟

ختاما أشهد الله تعالى أني قد ما سافرت ورحت وجيت ماقابلتش ولد ألذ ولا أشقى ولا أخف دم من الولد المصري ...بس البنت المصرية برضو عفريتة وييجي منها! (وإن كان البنات الكبب مافيش اكتر منهم أنا عارفة والله!). بس ياريت نشجع أصوات البنات أكتر من كدة...في كل حاجة...حتى في التيت!


سدد الله خطاك لما فيه خير الرعية
وأعانك علينا...وأعاننا عليك برضو!

الخميس، 5 أغسطس، 2010

رسالة قديمة من بين رسائلي لصديق في الوطن


صباح الخيرات يا صديقي!


عملا بنصيحتك...قررت أكتب إيميل "تيك أواي" متجنبة المكاتيب "الدسمة" التي لدسامتها تستهلك الكثير من الوقت وبالتالي أجدني أؤجلها ثم أعيد تأجيلها هكذا بلا نهاية فتكون النتيجة لا مكاتبات على الاطلاق!


خليني أفضفض كدة من غير ترتيب أفكار ولا تنميق عبارات...

هذه يا صديقي أيام الكريسماس وبداية سنة جديدة و-هنا في كوبنهاجن- هذه أيضا أيام انهمار ندف التلج بحيث يكسو البياض الاشياء كلها...بياض بياض بياض...طبعا أنا بوصفي امرأة افريقية لم تر هذه "الظاهرة البيضاء" من قبل أقدر أقول إني عايشة حالة من الدهشة الطفولية يصعب وصفها!

كل سنة وأنت مسرور الخاطر يا صديقي


مع بداية2010 لا أجد في نفسي رغبة حقيقية في العودة الى أرض الوطن المباركة..برغم البرد والوحدة والاشتياق الشديد للصحبة الحلوة...برغم الحنين الموجع...أجد في نفسي رغبة عنود في البقاء هنا في بلاد الفايكنج...وسط كل هذا البياض المخيف...حيث تدق أجراس الكنائس عاليا في ليالي أعياد الميلاد...وحيث كل المخبوزات تحتوي على القرفة!!

إلى الآن لا حياة اجتماعية لي جديرة بالذكر هنا...وبيني وبينك يا صديقي فأنا مستمتعة بوحدتي التي هي اختيارية في الحقيقة..لست أدري فيم عزلتي...لكن فيه صوت جوايا بيدفعني لها...يمكن تكون قناعة بأن الوقت دة ممكن يتعمل فيه حاجات كتير أهم من الاجتماعيات التي ترهقني وتشتت رأسي بما يكفي في أرض الوطن...فلا أكثر من الاجتماعيات في مصر!...ويمكن لأني بس مش عارفة أحل شفرة التواصل مع معظم المحيطين بي بصورة ترضيني وترضيهم.. ثم إذا أنا استسلمت لنداء الحياة الاجتماعية الصاخبة, فمن أين آتي بالوقت لقراءة كل تلك الروايات التي حملتها "على قلبي" من مصر؟!


نرجع لـ 2010 ...إيه بقى؟؟ تفتكر إيه مستنيني في 2010؟! عندي رغبة شديدة أجلس إلى امرأة عجوز تقرأ لي الفنجان أو تقرأ لي الطالع والنجوم!!...وتجدني هذه الأيام مشغوفة بالأبراج (أتذكر الآن شقيقتي الصغرى التي ما أن أتحدث أمامها عن الأبراج والفلك حتى تقول: صلاتك باطلة أربعين يوم يا أخت! كم أوحشتني هذه المجرمة الصغيرة!)


في أول 2009 قالت نجومي إنه عام نجاحات على الصعيد العملي وخواء على الصعيد العاطفي...وأعتقد انهم- الكاذبين- صدقوا إلى حد بعيد!... أو صدفوا...فعلا 2009 كانت سنة نجاحات عملية كتير الحمد لله...ولا شئ يذكر على الصعيد العاطفي...الآن نجومي تقول إن 2010 بدورها ستكون سنة قفزات عملية كبيرة..مع صمت متعمد عن تطورات الوضع على الصعيد العاطفي!!...يلا...أما نشوف!

الحاجة التانية اللي أحب أشاركها معك هي أن غرفتي اتحرقت امبارح! اه والله...ومن مستصغر الشرر يا صديقي...عود بخور برئ وقع على اللحاف الفوم وهوبااااااا في أقل من دقيقة...بس الحمد لله قدر ولطف...السرير والستائر الحريرية الملونة كانوا على موعد مع اللهب!..المنزل الذي أسكن به منزل في بناية قديمة في واحد من أقدم أحياء كوبنهاجن...وكله خشب في خشب! يعني لو كنت غفلت تلاتين ثانية كمان كان البيت كله ولع!...يلا...ديتها أبيت الكام يوم الجايين على كنبة الجيران لحد مانشوف حنعمل ايه في المرتبة اللي اتحرقت دي...طبعا انس اللحاف والمخدات كله بقى كتلة رماد!


تعرف..بعد الحمد لله حتى يرضى والحمد لله بعد الرضا, باسترجع الحدث دلوقتي واتفرج على رد فعلي...اللي انا فاكراه اني كنت باصرخ ...هلع...هلع اولي حيواني من اللي بيشل العقل...اللي أنقذني كان جارنا طالب الدكتوراة اليوناني الذي كان أول من جريت عليه ما أن وقعت عيناي على النار ...كان هادئا ومركزا وعمليا...في حين أن عقلي أنا لم يكن يفعل إلا أن يرسل لي إشارات مضللة! كان طول الوقت عقلي بيقولي: "المشهد دة مش حقيقي دة حلم...المشهد دة مش حقيقي دة حلم"...وطبعا دة شلني تماما عن التصرف...بالكاد كنت باملي مية واجري ارميها على النار بدون أي تركيز...


الآن وبعد زوال الخوف وشلل الرأس أفكر أن عقلي ليس جزءا أمينا مني ..لا هو أمين علي ولا أمين معي...عقلي بيخدعني...ومتى؟ في أكتر وقت كنت أحتاج إليه واعيا وفعالا ...هذه الفكرة تجعلني غضبانة وناقمة على نفسي وعلى عقلي...ربما أكون قاسية في حكمي لكن أنا فعلا غضبانة...ألا شور علي يا صديقي...ما تعرفش حد يعملي عملية زرع مخ والنبي؟! بس شوفلنا مخ نضيف الله يكرمك!

آسفة على الأحاسيس السلبية تلك لكن فعلا حاسة إن عقلي خذلني...زي حالتي المزاجية ما بتخذلني كل يوم...وزي ما طول الوقت باكتشف إني مش باكبر غير بجسمي بس...لكن جوايا لسة طفلة هشة أوي...متهورة ومش متأكدة من أي حاجة...ومعندهاش إجابات تقريبا على أي سؤال...عندها بس أسئلة مزعجة!

دي يا سيدي حكاياتي النهاردة...وآسفة إذا كنت أتخمتك بفضفضتي...

اقعد بعافية :)


بإخلاص,

الأربعاء، 4 أغسطس، 2010

إلى القارئ المخنوق إللي سابلي تعليق امبارح!


وجدت أمس تعليقا على تدوينتي الفائتة "حكاية الأربعين امرأة" من زائر يبدو انه اتخنق شوية من محتوى التدوينة وضاق خلقه فترك لي تعليقا يتهمني فيه بالسطحية وبأني من أولئك الذين يعلقون كل بلاوي البلد على شماعة "تمسك الناس بدينهم"...ولست أدري كيف لوى القارئ الكريم عنق السطور وخرج بحكمه الخطير هذا! مهما يكن فلهذا القارئ ( المخنوق) الكريم بالذات, أعيد نشر مقالة نشرت لي من كام سنة في إحدى الدوريات الإلكترونية وفيها عقبت على مقالة للكاتب المهتم بالشأن القبطي مجدي خليل كان قد نشرها بالإنجليزية في صحيفة وطني إنترناشيونال وسماها "الحداثة والقيم الغربية وسطوة الأسلمة" وهو التعقيب الذي أعيد من خلاله النظر في المقولات التي يتبناها الكاتب والتي تربط ربطا حتميا بين "الأسلمة/التدين" - كمسبب وحيد أوحد - وبين التخلف مع التطبيق على الحالة المصرية طبعا..أهو...يمكن ربنا يسهل ونحل سوء التفاهم دة!



تعليقا على مقالة مجدي خليل : " الحداثة والقيم الغربية وسطوة الأسلمة"

من الفائز؟ الإسلام المستنير أم الإسلام المسلّح؟

في مقالته هذه يثير مجدي خليل قضية اندماج الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية متسائلا :أي المجتمعين قد يكون عليه أن يضحي بقيمه الثقافية في سبيل إنجاح عملية الاندماج؟

من الواضح أن الكاتب ينطلق من افتراض نظري مفاده أن "الظاهرة الإسلامية" تؤدي بالضرورة إلى التخلف, غير أن الكاتب لا يضع تعريفا واضحا لما هي "الظاهرة الإسلامية", بل إنه,, كما يتضح من سياق طرحه يخلط بين "الظاهرة الإسلامية" Islamism وبين "التطرف الإسلامي" Islamic Extremism في تبسيط مخل.

بالعودة إلى التعريفات النظرية الواردة في كتابات مختلفة للظاهرة الإسلامية فإننا نجد أن الظاهرة الإسلامية مصطلح واسع المدى يتعلق في أحد مستوياته بمفهوم "الهوية " لدى أفراد وجماعات بعينها , كما يضم أكثر من حيز, ففي فضاء الظاهرة الإسلامية نجد الحيز الثقافي الحضاري والحيز الروحاني والحيز الاقتصادي والحيز السياسي . و فيما يتعلق بالحيز الأخيربالتحديد, أي الحيزالسياسي, فإن المجموعات ذات الخلفية الإسلامية متبايبنة وخطاباتها متفاوتة, بل إنه يمكن القول بصفة عامة إن هذه المجموعات نادرا ما تلتقي في إطار تنسيق أو تعاون.

أما إذا اتفقنا على أن المقالة تتناول "التطرف الإسلامي" , فإن سؤالا يتبادر إلى الذهن هنا :لماذا يفترض الكاتب أن التطرف يجلب التخلف وذلك بخلاف السائد في التحليلات الاجتماعية في الأدبيات الغربية من أن حركة الإسلام المتشدد لاتزيد في جوهرها عن كونها حركة اجتماعية جاءت إفرازا لحالة القهر السياسي ,واللاتوازن الاقتصادي والمعيشي الصارخ, والجهل, وترهل عملية بناء الأمة Nation- Building . وعلى الرغم من أن هذه القراءة ما تزال محل تساؤل نظري إلا أنها ربما تكون أكثر منطقية من قراءة الكاتب القائمة على متلازمة الدين والتخلف,في مقابل متلازمة الحداثة, وهو طروحات غير متفق عليها في الدوائر الفكرية والأكاديمية العربية إلى اللحظة,
وإن كان غير المختلف عليه أن التشدد وضيق الأفق والانغلاق على الذات والموروث كلها محفزات للتخلف.

ولعل ما يجري في الدول العربية في عهدنا هذا مثال واضح على هذه المعادلة. فتلك الدول التي تحكمها نظم من المفترض أنها "علمانية" لا ترجع إلى الدين في ترسيم سياساتها الداخلية والخارجية , تشهد في كل يوم جميع أنواع انتهاكات حقوق الإنسان بما فيها الحق في الحياة وقمع المعارضة بدعوى حماية "الأمن القومي" و "الوحدة الوطنية".
وإذا نظرنا إلى مصر بالتحديد فإننا نجد أن عوامل أخرى عديدة بخلاف الدين و "التدين" بعضها سياسي اجتماعي وبعضها الآخر اقتصادي قد تضافرت جميعها لجلب التخلف على المجتمع المصري , ما ساعد الحركة الإسلامية على النمو كرد فعل وكآلية تصدي للقهر وغياب العدالة.

ومن جانبها فإن السلطات المصرية لم تتعامل مع تنامي الحركة الإسلامية بما تستحقه الحركة من اهتمام بمسبباتها و تتبع لجذورها, بل إن الحل الأمني كان دائما هو الحل الأقرب لأيدي صناع القرار, حيث تعامل النظام ولعقود بقسوة مع بؤر تجمعات الإسلاميين أو كل من يشتبه في انتمائه إليهم.

الكاتب يشير بأصابع الاتهام إلى مسلمي الغرب بأنهم يشيعون الحقد المقدس ويمارسون التقتيل بعشوائية باسم الدين, غير أن الفكرة كما تبدو لي أكثر تعقيدا من تلك الصورة التي يروج لها الكاتب. فالصورة يمكن أن ترى كذلك: على أحد الجانبين نرى النسق القيمي الإسلامي الذي أفرز أفكارا ومبادئ معينة من بينها "الجهاد" كمفهوم محوري تطور -بل لنا أن نقول تشوه -عبر السنين وتمت إعادة تكييفه ليصل في بعض الحالات إلى ممارسات إرهابية فردية الطابع لا تتمتع بالشرعية المجتمعية, أما على الجانب الآخر فإننا نجد النسق القيمي الغربي بقيمه الليبرالية وبما للعقل المستنير فيه من محورية وما أفرز من رؤى خاصة به مثل الديمقراطية , غير أنه في الوقت ذاته كان خلفية لإرهاب الدولة الذي تمارسه القوى العظمى تحت شعارات من شأنها أن تؤنسن الحرب إلى أبعد حد ممكن مثل التدخل الإنساني وغيرها.

بعبارة أخرى, فإن قرءاة هذه التطورات من منظور "سياسات القوى" من شأنه أن يخلق صورة أقرب إلى الواقع بتعقيداته من تلك المبسطة التي يتحدث عنها الكاتب. فثوابت الإسلام ,من مثل الجهاد, كانت دائما ثوابت غير أن تلك الثوابت نفسها باتت تثير الرأي العام العالمي الآن أكثر من أي وقت مضى وباتت تخلق مقدارا هائلا من الزخم لم يكن مسبوقا. حتى التعارض بين بعض جوانب ثقافة حقوق الإنسان بدعائمها الغربية من جانب و الرؤية الإسلامية إزاء بعض القضايا –و إن كانت روح الإسلام عامة تتماشى مع الفكرالحقوقي- من جانب آخر, حتى هذا التعارض كان من الممكن أن يثير فضولا معرفيا عالميا إزاء الإسلام. أما و أن الفكر الحقوقي وفكر التحول الديمقراطي هو فكر متصل بأجندة سياسية واقتصادية طموحة و مدعوم بأدوات ترهيب وترغيب ناجعة, فإنه من غير المستغرب أن يستحيل" الفضول المعرفي " الذي من شأنه أن يتمخض عن حوار إلى نزاع قوى وصراع.
أما عن مقارنة الكاتب الأوضاع في العالم العربي والإسلامي بالأوضاع في أوروبا خاصة فيما يتعلق بوضع الدين من النسقين القيميين الإسلامي والغربي ومسألة حرية التعبير, فإنه تحضرني هنا عدة نقاط:

أولا: إن العلاقة بين المؤسسة الدينية ومؤسسات الحكم علاقة قد تم حسمها في العالم الغربي منذ عصور وذلك على خلاف الوضع السائد في عالمنا العربي والإسلامي حيث تلعب المؤسسة الدينية إسلامية كانت أو مسيحية دورا سياسيا جديرا بالاعتبار.فالجدل حول إمكانية "ترشيد" أو "تحجيم" دور الدين في الحياة العامة في دولنا العربية والإسلامية هو الجدل الغالب على الدوائر السياسية في عالمنا العربي والإسلامي اليوم , وليس المطروح غالبا هو اجتثاث الدين من الحياة العامة والسياسية تماما.
مهما يكن فإن الحوار دائر بالفعل بين العلمانيين العرب وبين المنظرين الإسلاميين حول حجم الدور الذي ينبغي أن يلعبه الدين في الحياة السياسية في بلادنا (هذا إذا ما اعتبرنا حالة الاستقطاب الفكري العنيف والإقصاء المتبادل التي تشهدها الساحة العربية اليوم "حوارا"!) لذا فإن الإتيان بحلول جاهزة واستنتاجات سابقة التحضير تجد جذورها غالبا في الخبرة التاريخية الغربية التي تطورت عبر قرون يعد اختزالا للجدل الدائر من شأنه أن يضلل مجتمعاتنا ويأخذها إلى متاهات سياسية ليست مستعدة للخوض فيها.
ثانيا: حرية التعبير هي قيمة عظيمة بما لا يدع مجالا للجدل, غير أنه يسعدني أن أدعو القارئ إلى مراجعة تقرير التنمية الإنسانية الصادر عن برنامج الإمم المتحدة الإنمائي للعام 2004 ليرى بنفسه معدلات الأمية الصادمة في عالمنا العربي ولأسأله: أي حرية تعبير وأي احترام للحق في حرية التعبير تلك التي يمكن أن نتوقعها من مجتمع غارق في الجهل والأمية خاصة حين يتعلق الأمر بمقدساته تلك التي لم يفقد إيمانه بها بعد في حين فقد إيمانه بكل ما عداها. إذا كان "للمثقفين" أن يلعونا "آلهة العوام" في كتاباتهم فإن العوام سيشعرون بأن لهم بدروهم أن "يردوا" ولما كانوا عواما أميين في الغالب فإن ردهم بطبيعة الحال لن يخرج في هيئة جدالات منمقة وجدالات مضادة وإنما سيخرج عشوائيا هوجائيا بل وعنيفا على الأرجح.
نظريا, يمكن للأميين أن يكونوا سياسيين على اعتبار أن السياسة هي "من يحصل على ماذا متى وكيف" وهو ما لا يتطلب تعليما عالي المستوى (و هذا ما لا يدركه أولو الأمر في دولنا العربية أو للدقة يتعامون عنه فيتخذون من أمية شعوبهم ذريعة لإقصائهم خارج دائرة صنع القرار و بالتالي للحكم المستبد), غير أن خلق "مثقف" متفتح العقل على العالم متقبلا للآخر يحترم حق الآخرين في التعبير عن ذواتهم حتى وإن اختلفوا معه, فهذا أمر مختلف إذ يتطلب تعليما أعلى مستوى في بيئة أكثر انفتاحا تهئ له أجواء من التسامح بما يفسح المجال لاختلاف الذي لا يفسد للود قضية, فأين بلادنا وأين نظم التعليم فيها من هذا؟
ثالثا: حين قامت حركة الطالبان بتدمير تمثالي بوذا العملاقين عام 2001 لم تكن القيمة التاريخية والفنية للتمثالين هي الهم الأكبر لمن ثارت ثائرتهم على الفعل الطالباني بل إن البعد الديني للحدث المتمثل في قدسية التمثالين لدى أولئك الذين يدينون بالبوذية في العالم كانت كذلك محور اهتمام من دانوا الفعلة ومنهم مسلمون , فلماذا لا يكون رد فعل مثقفي العالم مماثلا أو حتى مقاربا لهذا حين يتم المساس بمقدسات المسلمين؟
رابعا: إن النظم الحاكمة التي تعاقبت على مصر منذ حركة الجيش في 1952 والتي لم تكن لها خلفية دينية واضحة بحيث يمكن وصفها بأنها نظم " علمانية" تفننت في وأد حركات و رموز المعارضة بجميع أشكالها فلم تشق لها قنوات شرعية للسريان ما نتج عنه أن "لا صوت يعلو على صوت النظام الحاكم" إلى جانب عدد من "المثقفين المدجّنين" . فبأي عين إذن نطالب البسطاء من الأميين وأنصاف المتعلمين في ظل هذه الأجواء أن يستحيلوا فجأة إلى "مثقفين" من الطراز الأول ينتجون الآراء المركبة والتحليلات المدققة ويتقبلون بوجوه رائقة تشكيك المثقفين وشكهم ,ديكارتيا كان أو غير ديكارتي, في مسلماتهم ومقدساتهم؟
خامسا: أسأل الكاتب: من الذي ألقى بالمدوّن كريم عامر في السجن بتهمة ازدراء الأديان؟ هل كانوا الإسلاميين؟ لا بل الدولة ياسيدي والمؤسسة الدينية الرسمية .مثال آخر : إن رواية أولاد حارتنا للأديب نجيب محفوظ, جاءت صادمة للرأى العام المصري منذ عقد ونيف من الزمان إلا أن الوضع قد تبدّل الآن فالرواية قد تم طبعها ونشرها في القاهرة بل –وللدهشة- فإن من قام بكتابة توطئة للرواية كان الدكتور أحمد كمال أبو المجد بينما يجد القارئ كلمة بقلم الدكتور محمد سليم العوا على غلاف الرواية , وكلاهما محسوبان على التيار الإسلامي ,و في المقابل فإن المؤرخ وأستاذ اللاهوت د/ جورج بيباوي قد تعرض للنقد بل والتقريع من قبل الكنيسة الأرثوذكسية بدعوى أنه قام بتدريس الرواية نفسها لطلبته في إحدى السنوات. يمكننا أن نخلص من هذه المقابلة إلى ثلاثة استنتاجات:
- أن التفكير الديني الذي يضع بطبيعته قيودا على غيره من أنماط التفكير ليس قاصرا على الدوائر الإسلامية فقط بل إنه من هذه المقابلة بالذات يتضح أن المؤسسة الدينية المسيحية كانت أقرب إلى التعسف والانغلاق على الذات من المؤسسة الإسلامية ورموز الفكر الإسلامي.
- عملية التغير/التغيير الاجتماعي التي هي بطيئة بطبيعتها آخذة في الحدوث في البيئة الثقافية المصرية.

- التعميم الساذج باستخدام لفظة "إسلامي "لوصف مفكر أو تيار سياسي أو فكري دون تحديد أي "إسلامي" هذا الذي نتحدث عنه يختزل حقائق الأمور ويخل بتعقيداتها ويقصي رموزا مستنيرة من مثل أبو المجد و العوّا وغيرهما. ولعل الأسوأ في هذا الإقصاء هو عدم الاستفادة من طاقة وانفتاح مثل هؤلاء المفكرين لتجسير الفجوة بين "الغرب" والعالم الإسلامي.

سادسا: الأزهر, تلك المؤسسة القديمة والتي هي المؤسسة الدينية الوحيدة المخولة رسميا لممارسة الرقابة على الإنتاجات الإبداعية البصرية والسمعية, هي مؤسسة مسيسة إلى حد بعيد ما نتج عنه حالة من فقدان الثقة بين المسلمين والمؤسسة وفتاواها. من هنا فإنه من غير الدقيق بمكان أن تعتبر مؤسسة الأزهر ممثلا للإسلام والمسلمين بصفة جامعة, فبجانب "الإسلام الأزهري" هناك عدد من الخطابات الإسلامية الموازية التي يمكن حصرها (في اجتهاد شخصي مني) بشكل أولي كالآتي:
- الإسلام المتشدد: والذي لم يعد يعبأ بالرؤية الأزهرية لأمور المسلمين كرد فعل لما يراه أصحاب هذا الاتجاه من ترهل وضعف في مؤسسة الأزهر.
- التيار الإسلامي المستنير: وتمثله دائرة محدودة من المثقفين والباحثين, ومنهم من يبذل جهدا نظريا لتطوير خطاب إسلامي أكثر استنارة من السائد خاصة فيما يتعلق بالقضايا الخلافية والشائكة بمعزل عن الخطاب المحافظ والمسيس للمؤسسة الدينية الرسمية.
- الدعاة الجدد: ولهم شعبية كبيرة في أوساط الشباب, ويتسم خطابهم بكونه أقل شكلانية من الإسلام المتشدد, وفيه قدر من "الليبرالية" من حيث الانطلاق من الفرد والعمل على بنائه كوحدة أساسية لا يصح تركها تنسحق أمام المجموع
- الحركات الصوفية: وهذه غير منخرطة في الحياة العامة و السياسية على وجه الخصوص أللهم إلا بالنزر اليسير, على الرغم من أن الدراسات الميدانية تشير إلى درجة وعي سياسي كبيرة في أوساطهم
- مسلمون علمانيون: يؤكدون على ضرورة عدم الإشارة إلى الدين في الحياة العامة إطلاقا.

ولعل المسلمين العلمانيين جنبا إلى جنب مع الإسلاميين المستنيرين من بين هذه الفئات هم الأقرب إلى تبني مبدأ حرية الرأي والتعبير.

سابعا: لماذا لم ينح ِ الكاتب ولو بقدر من اللائمة على وزراة الثقافة المصرية ووزيرها الدكتور فاورق حسني على ما آل إليه حال الثقافة في مصر؟ ألا يكفي أن السيد الوزير أثبت على مر السنوات أنه فوق مستوى المساءلة الشعبية؟ أفلا يأتي الإنصاف إذن من الكتّاب والمثقفين؟

فيما يتعلق إشارة الكاتب إلى الشعارات المعادية للغرب و التي أطلقها متظاهرون مسلمون في أعقاب أحداث الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول, أطلب من الكاتب العودة إلى الشعارات التي رفعها الأمريكيون والكتب والمطبوعات الكثيرة التي أنتجها أمريكيون والتي كانت تنضح بالكراهية للإسلام والمسلمين في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وماتزال حتى يومنا هذا الشعارات المعادية للإسلام والمسلمين تعج بها المواقع والمدونات على الإنترنت. ولا أزال أصر على أهمية عدم التقاط مثل هذه "الانفلاتات" المشحونة بالعاطفة في لحظات تمر فيها الأمم والشعوب بمنعطفات حادة في تاريخها, والتركيز عليها والاستشهاد بها.

صحيح ما ورد في المقالة من أنه تفرد صفحة في جريدة الأهرام الرسمية للدكتور زغلول النجار علما بأن في بعض ما يكتب إساءة لمعتقدات الآخرين, وإنه لمن المؤسف أني لم أجد إلى الآن من يرد على ما يرد بمقالات النجار على صفحات الأهرام, غير أنه من خلال متابعتي لجرائد المعارضة فإنها تفسح المجال لرجال الدين المسيحي كي يردوا على مثل هذه الكتابات وغيرها كذلك فإن الكثير من مواقع الإنترنت تؤدي نفس الغرض بل وإنه لمن المؤسف أن لغة التعبير تكون غالبا مهينة وشديدة التجريح.

نأتي إلى قصة استخدام صفحات من الكتاب المقدّس كورق تواليت على أيدي بعض المسلمين من الفلسطينيين بينما كانوا محتجزين في كنيسة القيامة, وكيف أن الحادثة لم تأت برد فعل عنيف من قبل المسيحين (وهو مثال استفزازي يوظفه الكاتب للتدليل على "التسامح المسيحي" في مقابل "الهمجية الإسلامية" ويقيس عليها طبيعة العلاقة بين القباط والمسلمين في مصر!) ...وأقول للكاتب: إذا أخذنا في الاعتبار رد فعل أقباط مصر الغاضب إزاء حادثة وفاء قنسطنتين وحادثة جريدة النبأ و هو رد فعل كاد أن ينزلق إلى هاوية العنف , هلاّ تخيلت معي ردة فعلهم في حال أن رأوا أو حتى نمى إلى علمهم صدقا أو كذبا أن مسلما مصريا استخدم أوراق الكتب المقدس بطريقة غير لائقة؟و كما أني لا أتصور مسلما مصريا يأتي بهكذا فعلة, فأنا كذلك لا أتصور أقباط مصر يردون عليها -إن هي حدثت – بمنأىً عن العنف. كما أني لا أتصور بحال رجال الدين المسيحي في كنيسة القيامة ذلك المكان ذي القدسية في لحظة فيها الكل -مسلمين ومسيحيين- تحت الحصار يصبون غضبا عنيفا على مجموعة من المسلمين الذين هم في حمى الكنيسة إذ أتوا بفعلة غير لائقة ولا تعبر إلا عن شذوذ سلوكهم هم.

ولعله يكون من المهم بمكان أن أتحفظ من الأساس على إيراد مثل هذه الأمثلة الاستفزازية والشاذة التي لا يصح القياس عليها, فالكاتب ولابد مدرك أن السواد الأعظم من مسلمي العالم لم يكونوا ليأتوا بفعلة فظة كتلك التي يشير إليها في مقالته ولذا فأنا أسمح لنفسي أن أعتبر في استخدام هذا المثال تشويها متعمدا لصورة الإسلام والمسلمين.

نهاية, فإن مقالات مثل هذه المقالة تستفز مشاعر المسلمين والمسيحيين على حد السواء وتقصي الإسلاميين المستنيرين و العلمانيين العرب عن مساحات الحوار الممكنة بوضعهم في سلة واحدة من المتشددين وتزيد من سعة الهوة بين العالم الإسلامي والغربي.

الثلاثاء، 3 أغسطس، 2010

حكاية الأربعين امرأة!



منذ أيام مررت بأحد ميادين كوبنهاجن الرئيسة لأجد حوالي أربعين امرأة! ...في سواد الأبنوس ولمعانه كن ...أغلبهن ذوات أجساد عامرة...لأ عامرة عامرة يعني! ... تحلقن حول فتى نحيل غلبان كدة يقف أمام طبلة أفريقية الطراز زاهية الألوان من الطبلات المطولة تلك...كان يدق بإيقاع عالي عنيف متسارع ...ذكرني برواية دق الطبول للبساطي ...وهن- النساء الأبنوسيات- من حوله يرقصن رقصات محمومة...لأ محمومة محمومة يعني!....رقص يذكرك بالزار في مصر...رقص ليست فيه أنوثة الرقص الشرقي ولا ميوعته وليونة حركاته...لكنه مشحون بإيحاءات جنسية غير خافية إطلاقا...لأ إطلاقا إطلاقا يعني!

والنساء, لدهشتي, في هذا الميدان الرئيسي الكبير, تلبسن ما قد تلبسه النساء في حمامات النساء القديمة...متحررات في ملابسهن متحررات في إيحاءات أجسادهن الجنسية متحررات في رقصاتهن العنيفة التي ترجرج أجسادهن في عنف...حقا تسرب في نفسي شئ من غبطة..تذكرت كيف نشتبك في بلادي في جدالات مطولة مطولة حول النقاب والحجاب والجيوب والوجوه والكفوف....ياه يا عمي! ..كم نتشرب في بلادي كراهية أجسادنا والإحساس بالعار منها!

آه لو رأيت تلك النسوة الأبنوسيات عامرات الأرداف والنهود وكيف تشعرن بالحرية الممزوجة بالسعادة وكأنهن وحدهن في غرفة كبيرة مغلقة عليهن دون سواهن...حتى العطور التي كانت تفوح منهن...رائحة أعشاب محروقة على مهل...من تلك التي تلتصق بالجسد أسابيع وتداعب الحواس بإلحاح...وزينة الوجه ...الرموش الصناعية والحلقان في الأنوف والشفاه ملونة بكل لون...
وأعود فأتذكر ,بشفقة, نفسي حين ألقيت أحد نصوصي في منتدى ثقافي في مصر قبل سنوات...تذكرت كيف قامت امرأة "محتشمة" متلفحة بألف قطعة قماش سوداء وقطعة وقالت لي: استغفري ربك على أن وصفت في نصك هذا امرأة ما وصفا لا يخلو من حسية (وكنت وصفت عيني فتاة قلت إنهما واسعتان و انهما لا تناسبان عندها ومكابرتها بكل ما فيهما من براءة طفولية...وربما زدت فقلت شيئا ما عن شعرها! لا أذكر حقا) - ثم زادت في النصح: لا تعاودي كتابة أية أوصاف حسية لامرأة من بعد...وحين ابتسمتُ صامتة خجلى قالت بإخلاص: لك ابتسامة جميلة ...امرأة لها وجهك النقاب فرض عليها!

أفكار مش واخداني لأي استنتاج...لكن مجرد أفكار !

أنا ومدير تحرير موقع الحزب الوطني...اشتباك لابد منه!








مقالات زميل الدراسة السابق والذي يتبوأ حاليا منصب مدير تحرير موقع الحزب "الوطني الديمقراطي" تصل إلى بريدي الإلكتروني كل حين وآخر بإصرار لا يزيد عليه إلا إصراري على عدم "الاشتباك" في حوار لست أطمح إلى طائل من ورائه...لكن لسبب ما لا يعلمه إلا الله وجدتني اليوم أقوم محتقنة ً من طول الطناش وقد ضرب الدم في نافوخي لأشتبك مع إحدى مقالاته! ربما لأنه بلغ السيل الزبى, أو ربما لأنه استثارني أن ينعت الزميل مثل هذا الكلام المرسل أحادي الزاوية بالـ "تحليل" والتحليلات والتحاليل كلاهما منه براء! أو ربما لأنه اللي زاد وغطى وجود أخطاء لغوية فادحة في النص الذي يفترض فيه أن من أخرجه إلى النور مدير تحرير موقع الحزب الحاكم في بلد بحجم مصر! على كل هذا هو نص "الاشتباك" الذي أرسلته للزميل مدير موقع الحزب والذي رأيت أن أنشره على مدونتي التي أفقتد حميمية البوح لها أيما افتقاد, على الأقل على سبيل إبراء الذمة وعشان مايبقاش شكلي أمام مرآة نفسي إني سامعة ومصهينة...والرزق على الله!

(منعا لأي لخفنة...كلامه بالأسود...كلامي بالازرق..و كفانا الله وإياكم شر اللخفنة!)



لماذا كل هذه الضجة المفتعلة

حول حملة ترشيح جمال مبارك للرئاسة؟
تحليل


لم أكن لأنعت هذا النص بال "تحليل" فلست أرى فيه أكثر من وجهة نظر شخصية لناشط حزبي وهي وجهة نظر كغيرها جديرة بالاحترام, غير أن حقيقة تصوري كباحثة في العلوم السياسية لمعنى التحليل يختلف كثيرا عم ورد في هذا النص!

تصاعدت في الفترة الأخيرة الأنباء عن حملات دعم السيد جمال مبارك للترشيح لرئاسة الجمهورية العام القادم، وأفردت الصحف والفضائيات مساحة كبيرة لها وربطت بين إحدى الحملات التي دعا إليها أحد أعضاء حزب التجمع التجمع (تدقيق مطلوب: العضو المقصود (الكردي) لم يعد ينتمي لحزب التجمع وفقا لما ورد على لسانه هو نفسه, كما لم يعد ينتمي لحركة كفاية التي كانت ترفع شعار لا للتوريث (!) كما أنه, قبل هذا وذاك, هجر حزب "العمل" هجرا جميلا (!) ليحوّل في نهاية المطاف الطويل دفة نشاطه السياسي إلى مرافئ الحزب الوطني, وهي رحلة تفسح المجال أمام أسئلة أحسبها مشروعة حول ولائه السياسي والمحرك الحقيقي وراء "قفزاته" الايديولوجية" والحزبية الجديرة بالتندر) بعنوان "حملة الإئتلاف الوطني لدعم أمين السياسات" وبين مستقبل نظام الحكم في مصر واحتمالات ما أسموه بـ"التوريث" !!!

(تدهشني علامات التعجب الثلاث في "قفلة" العبارة ببساطة لأني لا أرى في التكهن بالتوريث "عجبة" مع كل المؤشرات التي تصب في هذا الاتجاه, ليس فقط في أوساط المصريين "الغلابة" المتروكة عقولهم للميديا المحلية تؤرجحها يمينا ويسارا كما شاء لها لهوى, بل كذلك في أوساط الميديا العالمية وبأكبر الأقلام الصحفية وأصحاب ما يمكن تسميته حقا بالـ "تحليلات" . وإن كان من حق المواطن جمال مبارك كغيره الترشح للرئاسة, فإن أزمة المواطن المصري وخبرته طويلة التاريخ مع الحكم في مصر وتداوله أبعد وأعمق من ذلك...فهي أزمة ثقة أدت بالمواطن إلى العزوف عن المشاركة السياسية لعقود...أزمة ثقة في كل ما يبدر عن النخبة الحاكمة من تصريحات وشعارات ووعود...زد عليها حالة من الاحتقان والغضب الذي ربما أتفق معك في كون الميديا والبرامج الحوارية نفخت في كيرها, لكن وبغض الطرف عمن نفخ في الكير, ومهما اختلفنا فقد نتفق على أن ما يدب على أرض مصر في أيامنا هذي جمع إلى الغضب والرغبة في التغيير أقرب. جمع "عرف أكثر مما ينبغي" عن حجم الفساد في مؤسسات الدولة بما فيها الحزب الحاكم وعن حكايات علاقة ذاك النجم السياسي في الحزب بالفنانة المغدورة و الآخر الجدير بلا منازع بلقب "نائب الرصاص" ثم بعدها أزمة التربح من العلاج على نفقة الدولة...ويزداد الطين بلة حين يستخف بعض أعضاء الحزب بعقول المواطنين مؤكدين أن تلك حالات فردية, تماما كما حاول القائمون على وزارة الداخلية على مدار سنوات إقناعنا بأن التعذيب في أماكن الاحتجاز في مصر غير ممنهج وإن ما نسمع عنه من حالات تعذيب هي حالات فردية, إلى أن ثبت باعتراف المجلس القومي لحقوق الإنسان نفسه أنها ليست ولم تكن أبدا حالات فردية. وتكفي نظرة على "تحليلات" الإكونوميست الإنجليزية لوضع الحزب الوطني من الوطن ووضع أعضائه من الشعب وسرد المجلة العريقة ذات المصداقية العالمية لمظاهر الفساد في أركان الحزب. ربما هو من فضل ربي أن أغلبية المصريين لا يقرؤون الإنجليزية!
فعلى هذه الخلفية, هل من العقل أن نتوقع من الجموع الغاضبة منعدمة الثقة في الحزب الحاكم ردة فعل هادئة حين تتراقص أمامهم سيناريوهات توريث يعلمون علم اليقين أنهم ما هم بقادرين على ردها إن هي وقعت ذاك أن "العين بصيرة والإيد قصيرة" وأن "المطبخ السياسي" ودهاليز الانتخابات محرمة على الأغلبية إلا "المصطفين الأخيار" من أعضاء الحزب الحاكم والمقربين له؟ ولا أسهل من تطبيق قانون الطوارئ على من تسول له نفسه خلاف ذلك!)

والحقيقة أنه يجب النظر إلي هذا الأمر من عدة زوايا حتى تتضح الصورة دون التباس تنشره بعض أصوات المعارضة ومؤيدي الجماعة المحظورة يومياً.

(مجددا تدهشني لفظة "بعض" في الإشارة إلى أصوات المعارضة...وأنت تعلم يا أخي كما أعلم أنا من واقع دراستنا الأكاديمية في هذا المجال أنه لا يمكن الحكم بدقة على عدد هذا الفوج السياسي أو ذاك في مصر بدقة ذاك أننا بلد متخلف في مجال الإحصاء واستطلاعات الرأي المستقلة وقياس الرأي العام بصورة علمية. لذا أكتفي هنا بالدهشة من الحكم المسبق, والذي يؤيد ما أثرته سابقا من أن المقالة هي أقرب إلى قطعة الرأي منها إلى التحليل.

كما أني (ولست إخوانية ولا هم يحزنون!) لم أكن لأستخدم لفظة المحظورة بما تحمل من دلالات تحريضية (من حظرها؟ القيادة السياسية التي تواجه أزمة ثقة جماهيرية حقيقية إن لم تكن أزمة شرعية!) في الإشارة إلى جماعة لها تاريخ طويل في العمل السياسي وتتمتع بقدر كبير من الشعبية (بل إنها في بعض أجزاء مصر أكثر اختراقا وتغلغلا ليس فقط من الحزب الحاكم بل من أذرع الدولة نفسها)...على الأقل ليس في "تحليل"! )

أولي هذه الحقائق، وهو المعني الذي عبر عنه جميع قيادات الحزب من أن منصب الرئاسة ليس شاغراً وإن هناك رئيساً يحكم، وتدل جولاته الداخلية والخارجية على أنه في كامل لياقته الصحية والعملية. ومن ثم يصبح من غير اللائق الحديث داخل حزبه عن مرشح مقبل للرئاسة إذا لم يعلن هو بنفسه عن عدم رغبته، وذلك خلافاً لقوى المعارضة والتي تحتاج لفترة أكبر للترويج لمرشحيها وترسيخ صورهم كرجال دولة بين الناس.

(عافاه الله وإيانا ومتعه بالصحة, وإن كنت أرى في "كامل لياقته" مبالغة لم أكن لألجأ إليها في "تحليل", وفي كل الأحوال لست أرى في قلق المصريين من غد يغيب الموت فيه الرئيس الحالي عن المشهد السياسي شيئا ممجوجا بل إنه من حقنا على الحزب الحاكم أن يؤكد لنا أنه مستعد للتعامل مع الواقعة ما أن تقع وأن يهدئ من روعنا السياسي وأن يرسل لنا رسالات تطمينية حول مستقبل هذا البلد الكبير ابتداء من صبيحة يوم رحيل رئيس الجمهورية, أبقاه الله بالصحة, والذي أنتمي أنا شخصيا لجيل لم ير سواه معتليا سدة الحكم. وهنا بالمناسبة يتساوى جميع المرشحين للرئاسة سواء كانوا معارضين أو من داخل الحزب الوطني (بمن في ذلك السيد جمال مبارك) فالكل يحتاج دهرا للترويج للرئيس المزمع وترسيخ صورته كرجل دولة على حد تعبيرك...فأيا من كان الآتي رئيسا سيحتاج زمانا على زمان قبل أن تترسخ صورته كرجل دولة بعد أن ألفنا الرئيس الحالي ثلاثة عقود! وهنا أذكر نفسي وإياكم بالاستعاذة من المعاني الباطنة في لفظة "ترسيخ" خشية أن تعني هي الأخرى عقودا تأتي لا تشهد فيه البلاد حراكا سياسيا ولا تداولا للسلطة.)

وثانيها، أن الحملات المنادية بترشيح السيد جمال مبارك أمين سياسات الحزب رئيساً للجمهورية هى حملات ليست بالجديدة، فقد انطلقت أولي هذه الحملات مع نهاية عام 2006 مع بدء تعرف المصريين على المدونات ومجموعات الفيس بوك واستخدامها لأغرض سياسية، وقيام عدد من الحركات الاحتجاجية ككفاية ومجموعة شباب 6 أبريل بوضع بند التوريث على قائمة مطالبها السياسية كعنصر جذب لباقي المطالب الآخرى، ومن ذلك الوقت توجد هناك مجموعات معارضة ومجموعات مؤيدة للسيد جمال مبارك.

(في حدود متابعتي فإن الجديد ليس نشوء الحركات لكن الانتشار والكثافة. وليس النشوء ولا حتى الكثافة هي المحك في رأيي...المحك هو إفساح مساحات متساوية من حرية التحرك في الشارع للجميع سواء االملصق الذي يحملونه عليه صورة مرشح الحزب الوطني أو سواه...فمن كل أسف في كل يوم تطالعنا مواقع الانترنت والبرامج الحوارية بأخبار الشباب الذين اعتقلوا أو احتجزوا في هذه المحافظة أو تلك لا لشئ إلا لأنهم كانوا يوزعون ملصقا لمرشح معارض أو بيانا يحمل رؤية فوجهم السياسي للتغيير)

وثالثها، أن هناك حالة من التصاعد غير المسبوق في المجموعات التي تحمل اسم السيد جمال مبارك على شبكة الفيس بوك بسبب قرب انتخابات الرئاسة. ففي حين بلغ عدد هذه المجموعات في يوليو 2009 عدد 21 مجموعة منها 12 مجموعة مؤيدة و5 مجموعات معارضة و4 مجموعات محايدة زاد العدد في الأول من أغسطس هذا العام إلي 500 مجموعة باللغة العربية و99 مجموعة باللغة الإنجليزية و35 صفحة فيس بوك باللغة العربية و13 باللغة الإنجليزية أكثر من 90% منهم جميعا مؤيدين لجمال مبارك، وإن اتسموا بالتبعثر وعدم التوحد في مجموعة أو صفحة واحدة كبيرة.

(على ذكر الفيس بووك لم نسمع إلى الآن نفيا لما ورد من أخبار عن أن "الهاكرز" الذين اخترقوا صفحة حملة الائتلاف الشعبي قد أكدوا أنه بعد اختراق إيميل الجروب تم الكشف عن أن عدد الموقعين على بيان تأييد جمال مبارك رئيسا لم يزد عن 50 توقيعا رغم أن المتحدث باسم الائتلاف قال إن عدد الموقعين وصل إلى 1600 توقيعا. هل من تحديث هنا عن تعليق أو تكذيب أو ما شابه؟ على كل هي حادثة "طريف" أضعها بين قوسين وأترك "تحليلها" لذوي الألباب!)



ورابعها، أن جميع منسقي الحركات الداعية إلي تأييد جمال مبارك يعملون باجتهاد شخصي واقتناع ذاتي بشخص أمين السياسات، وليس للحزب كمؤسسة أى علاقة بهم لا من قريب أو من بعيد.

(هذا ما يؤكده منسقو الحملات بالفعل وبغض النظر عن اقتناعي الشخصي بزعمهم من عدمه, فإن الأمر (إن صدقوا ) ومن وجهة نظر فنية وحرفية وإدارية يدعو للسخرية إذ كان من "الأكرم" لهم والأولى بهم أن ينسقوا من قريب أو بعيد مع الحزب الذي يضربون في الأرض دعما لمرشحه بدلا من أن يهيموا على وجوههم من أقصى القطر المصري إلى أقصاه هكذا غير ممأسسين وهو الشئ عينه الذي يعيبونه على مؤيدي البرادعي وحركة كفاية وغيرها مما يسمى ب"حركات الشارع" غير الممأسسة! يا سبحان الله! أليس فيهم رجل رشيد؟! طب البرادعي ومش عضو في حزب لأن له موقفا سلبيا من الأحزاب الكرتونية الموجودة, وأيمن نور لديه ما لديه من مشكلات قانونية وسياسية مع حزبه, والصباحي كذلك في حدود علمي يكافح من أجل الاعتراف بحزبه ...لكن ما هو داء الحملة المؤيدة لمرشح الحزب الوطني تلك المؤسسة الراسخة في الحكم منذ عقود؟ ما علتهم ومع أي معلول تدور؟! أم أن صدق حركات الشارع وتلقائيتها قد أغرى البعض ,حتى ممن لديهم أحزاب قديمة ينشطون في باحاتها, بأن يهيموا على وجوههم في الشوارع هم الآخرين؟)


وخامسها، أن الحزب يرفض محاولة البعض جره إلي منافسة وهمية غير قائمة بالأساس، وتصوير أن هناك تيارين الأول مؤيد للدكتور البرادعي والثاني مؤيد لأمين السياسات، فذلك أمر غير حقيقي ويستهدف تضليل المواطنين من خلال بعض وسائل الإعلام والصحف التي تتحدث يومياً عن وجود حرب توقيعات على الإنترنت (ربما استخدام لفظة "حرب" هنا هو من قبيل المبالغة الإعلامية التي لم أستسغها أنا نفسي, لكن هذا لا يمنعني من القول إن هناك استقطابا فيما يتعلق بالتوقيعات وجمعها أشهده أنا بنفسي ويحاول البعض إجراءه علي شخصيا) وتسابق على نشر ملصقات في شوارع وميادين المحروسة. وفي هذا الإطار، فإنه من المرفوض حمل أى لافتات تحمل تأييد لأى شخص ولصق البوسترات على الحوائط ومحطات المترو في غير الأوقات التي حددها القانون للدعايا الانتخابية لأى مرشح في الانتخابات، فذلك أسلوب عفا عليه الزمن ويعود بنا إلي ممارسات الأربعينيات من القرن الماضي (عفوا الفكرة هنا يكتنفها شئ من غموض؟ ألأربعينيات في أي بقعة من بقاع أرض الله؟ في مصر؟ إن كان نعم فأنا أذهب مع الذاهبين إلى أن الحياة الحزبية في مصر في فترة الأربعينيات كانت في أوج ازدهارها ولا أرى غضاضة في استلهام روحها الآن!)

إن التسابق اليوم بين الأحزاب والقوى المعارضة ليس على النجاح في الانتخابات، ولكن على الإيحاء بأن البلد تسير في اتجاه معين يرسمه في الداخل وسائل الإعلام وناشطو الإنترنت، ويغذيه في الخارج مراسلين (مراسلون! فاعل مرفوع!) صحفيين (صحفيون ..صفة الفاعل المرفوع!) لا يتوخون الحقيقة ولا يراعون قواعد الاحتراف والمهنية الصحفية.


مدير تحرير موقع الحزب الوطني



مواطنة مصرية!