21 يونيو، 2009

الله...الوطن...أما نشوف!


كتابي الأول!

الكتاب يصدر قريبا عن دار دوَن ويقدم رصدا -شوف رصدا دي جامدة ازاي؟!- لحالة "أما نشوف" في الحياة المصرية!
و "أما نشوف" في عنوان الكتاب, يا أعزك الله, بكل هزلتيتها وغموضها ومعاني التسويف و الترقب السلبي فيها, و انتظار ما قد تأتي به السماء أو الرياح أو العفريت الأزرق, هي أكثر ما يناسب المزاج الجمعي في وطنى بل إنها, في اجتهادي الفقير, قاربت أن تكون رؤية فلسفية لها ما لها من أركان وركائز.

ما علينا!
الكتاب يتألف من ثلاثة أقسام هي:(1) إيجبتولوجيات, (2)نتكلم جد شوية؟,(3) قصاصات.. مكاتبات..هذيانات .
ومن العناوين المتضمنة في الكتاب:
في انتظار الإيميل الذي لا يأتي !
,والله العظيم فيه بلد اسمها مالطة!
كفاحي آي والله كفاحي
بينما أحتسي قهوتي
أنا بين الأكاديميا و"زهرة البستان"
مشاكل أنطولوجية؟ ودة من إيه؟
فاضي يا أسطى؟
المجد للغة الشوارع!
!لجنة؟ هي فيها لجنة؟
عافانا الله من انتظار جودو
وهل جزاء الإرهاب إلا الإرهاب؟
في روايتي المزمعة
تاريخ المسحوقين
غريب في عالم غريب والغربة بتعلم
ضائع في سوناتا "وجه القمر"
جميلة وهي تناضل
نهايته ..أنا لا أدون من أجل حقوق الإنسان!
انتظروا معي صدور الكتاب :-)

11 يونيو، 2009

هاااااااتشي....يرحمكم الله!



أولى تعليمات تجنب الإصابة بإنفلوانزا الخنازير هي تجنب الانحشار في أماكن مزدحمة مغلقة...حلو الكلام؟...لا مش حلو! لأنه بالنسبة لساكني القاهرة خاصة مستخدمي مترو الأنفاق منهم, وهم كثر, يبدو الأمر ضربا من ضروب الخيال...فكلنا نعلم كيف يمارس راكبو المترو الحب قسرا وقهرا مع غيرهم من الراكبين في كل مرة يركبون فيها المترو, إذ يجد الواحد منا نفسه في حضن اللي قدامه رغما عنه فتتلاقي العيون و تكاد الشفاه أن تتلامس في أنشودة حب مواصلاتية استثنائية قسرية لا مفر منها في مترو القاهرة وأنفاق مترو القاهرة! وإن حدث أن عطس اللي قدامي في بقي فلا أملك إلا أن أقبل العطسة بقبول حسن مبتسمة متمنية له رحمة الله ليرد مبتسما وصوته يتردد بخشوع في جوفي متمنيا لي المغفرة!

وبالنسبة لمن لا يملك سيارة فإن البديل عن ممارسة الحب القسري في أنفاقنا ومتروهاتنا هذي والتي تبدو لي مفزعة بعد إعلان منظمة الصحة العالمية إنفلوانزا الخنازير وباء عالميا, هو إعادة هيكلة الميزانية الشهرية بحيث يضاف إيها بند "ركوب تاكسي مرتين في اليوم رايح جاي", وهو ما قد يستلزم اقتطاع جزء من الميزانية المخصصة لبعض البنود الأخرى مثل الدخان والإفطار في بوفيه الشغل والتكييف (ليس لأكثر من ساعتين في اليوم) وفاتورة (الدي إس إل) وشحن الهاتف الجوال أللهم إلا بكارت من من أبو عشرة ثم الاعتماد بعدها على الله وخدمة سلفني تلاتة جنيه لمستخدمي فودافون! ولا عزاء لمستخدمي موبينيل!

يارب لطفك بالمصريين (خاصة راكبي مترو الأنفاق منهم) فهم لا يملكون من أمرهم شيئا!

وعلى ذكر إنفلوانزا الخنازير يحضرني أني قبل أيام, وبينما أنا في طريق عودتي من الجزائر (حيث كنت أشارك في مؤتمر في مدينة وهران الجبلية الساحرة) إلى القاهرة مروروا بمطار تونس وجدت امرأة شابة تقترب مني لتعطيني ورقة ملونة مطبوع عليها أهم الإرشادات المتعلقة بتجنب العدوى بإنفلوانزا الخنازير,و مذكور عليها رقم هاتف ساخن يفترض بي أن أتصل به إذا عطس أحدهم في بقي ولا حاجة! حين احتللت مقعدي على الطائرة فوجئت بأني محاطة بمجموعة من الإخوة الآسيويين الذين كانوا شغالين عطس طول السكة من الجزاير لتونس دون أدنى قلق باد على وجوههم...طب أعمل إيه أنا بقى فوق السحاب في الحالة دي؟ ولا تقوللي خط ساخن بقى ولا خط بارد وإنا لله وإنا إليه راجعون! بل إني كلما حاولت أن أقوم من مكاني تجنبا لاختلاط الأنفاس قدر المستطاع نظرت إلي المضيفة نظرة جزائرية جبيلة شرسة فحواها أن "اترزعي مكانك واربطي الحزام بدل ما أربطهولك في رقبتك...ونتمنى لكم رحلة سعيدة على الخطوط الجوية الجزائرية "!

والحقيقة أنه, لمن لا يعلم يعني, ليس من السهل على الإطلاق أن تقف أو تتسكع في طائرة يقودها طيار جزائري ,وما أدراك ما الطيار الجزائري, فالطيارون الجزائريون يهبطون من الهواء إلى أرض المطار (تماما كما ينطلقون بالطائرة) في وضع رأسي تماما وبسرعة غير متدرجة (أي ببوز الطيارة رشق! ) بحيث تحس أن رأسك يكاد ينفجر وأن عينيك على وشك الخروج من محجريها فضلا عن احتمال لابأس به في أن يفرغ المسافر المجاور لك معدته عليك! أي أني, بعبارة أخرى, كنت مخيرة بين العدوى بإنفلوانزا الخنازير, والتسكع في طائرة يقودها طيار جزائري طالع بالطيارة رشق نازل بالطيارة رشق!

وعليه فقد رأيت أن الطيب أحسن فالتزمت الهدوء ولزمت مكاني مفضلة العدوى بإنفلوانزا الخنازبرعلى الدحرجة على أرضية الطائرة جيئة وذهابا بطول الطائرة, أو الدخول في مواجهة مع أحد من العاملين على الطائرة, خاصة بعد أن توعدني الطيار قبل الصعود إلى الطائرة -وقد كنت مغادرة الجزائر عشية المباراة الحاسمة إياها- بسحق الفريق القومي المصري سحقا...قالها بغل حقيقي أدهشني وخوفني وأخرسني وجعلني أفضل إنفلوانزا الخنازير على ما عداها!

01 يونيو، 2009

صباحه ثورة!



أحيانا أصحو ثائرة على كل الأشياء

أصحو بمظاهرة حاشدة في رأسي
أصحو بمزاج أكثر بعثرة من شعري... وما أدراك ما بعثرة شعري عالصبح!

قبل أيام صحوت بها...صحوت بأصوات المتظاهرين في رأسي
...إن فجر التغيير آت لا محالة...إما أن تكون الأشياء كل الأشياء راقية لمستوى تصوراتي ومعاييري, أو أني أنسف الكلللللللل! (موسيقى حماسية متصاعدة في رأسي يتصاعد معها الدم في نافوخي)!أجري صوب مكتبتي الصغيرة...أبحث وسط كتبي في لهفة كمدمن في لحظة الكيف لما يزن! لابد من كلمات ملهمة في لحظة الفوران هذي...لابد من كتاب من نوعية "تعلم كيف تشعل ثورة في عشرة أيام دون معلم!" ...للأسف مكتبتي أكثر فقرا من أن يوجد بها مثل هذا الكتاب الخطير...لكن دوما هناك ما يصلح بديلا...دوما هناك كتاب أو اثنان بهما شئ من روح الإصلاح والتغيير والتمرد...الأفغاني..محمد عبده .. علي شريعتي ... طه حسين...المهاتما غاندي..تشي جيفارا...أيا من كان...المهم أن أستثمر ثورة وجداني وفوران رأسي كأحسن ما يكون...الخنوع اليوم لا يناسبني...بل التغيير اليوم صلاتي...
هو دة!
الكتيب الأحمر الصغير...اللون الأحمر لون مزاجي اليوم... و ما قبل الكتيب الأحمر ليس كما بعد الكتيب الأحمر! فلحظة الإلهام السماوي لا تتأتى في كل يوم و صبح الجموح والشطط لا يولد مع كل شمس...
لابد بداية من تهيئة الأجواء وكأني قائد في غرفة العمليات في اللحظات الأكثر حسما...دي ثورة لامؤاخذة مش أي كلام!

1-إضاءة خافتة
2-موسيقى كلاسيكية لا تبعث على الهدوء,بل تبقي على حالة الغضب أطول فترة ممكنة

3- كوب شاي أخضر بالنعناع لزوم التركيز

4- إغلاق الهاتف المحمول

5- اتخاذ وضع "الكاتب الجالس القرفصاء" من أجل مستويات أعلى من الطاقة البدنية

رشفة من الشاي الأخضر...عبارة من الكتيب الأحمر...الألوان تتداخل في رأسي ومابين الأخضر والأحمر تتقافز الأفكار والأسئلة المترددة تجئ وتروح...والخوف والإقدام يتصارعان علي بلا رحمة
من قال إن الألفاظ بريئة أو إن المفاهيم محايدة؟؟ إن وراء كل لفظ ثورة ووراء كل مفهوم ترسنة أسلحة...الكلمات رصاصات ...خاصة إذا ما وردت على لسان مؤمن...ياإلهي...من أين يأتي الثوار بكل هذا الإيمان؟ هذا اليقين؟ بكل هذه الألفاظ الرشاشة؟ بكل هذه الطاقة؟!الثوار في الشرق والغرب وعلى اختلاف قضاياهم كان يجمع بينهم ذاك الشئ الذي لا أدري كنهه...شئ سماوي ...ربما كتلك الجنونة التي أصحو بها في بعض أيامي...لكن ظني أنها تطول زمنا معهم أكثر مما تفعل معي...ترافقهم كظلالهم...فلا يأتيها الخوف الذي يكبلني في صبحي هذا...فإن لم يكن فمن أين لهم بالموت في سبيل الجنونة تلك؟!
إن ثمن التغيير فادح...ولابد لكل ثورة من شهداء...
فجأة وبلا أية مقدمات وبينما أنا تتنازعني الأفكار ,أحدهم اقتحم علي "غرفة العمليات"!...بحركة تلقائية أخفيت الكتيب الثوري الأحمر تحت وسادتي...أنا لست منهم...أنا مش من الأحرار يا علي...ولست أدري شيئا عن الكتيب الأحمر...أنا...
-انتي بتعملي ايه عندك؟
إنها ماما!!!
-عايزة إيه يا ماما؟ خضتيني
-بتقري ايه؟
- كتاب...(ثم بصوت كالفحيح ونظرة حالمة للسقف) كتاب ثوري يا ماما...كتاب عن التغيير
- تغيير؟ طيب بما انك جبتي سيرة التغيير بقى ممكن تبقي تغيري ملاية سريرك اللي عفنت بقى لها شهر دي؟؟
ألقتها في وجهي بحزم كالقنبلة ثم رزعت الباب وراها دون أن تنتظر ردي!
أغير ملاية السرير؟؟
حقا...إن ثمن التغيير فادح...!


*قالتي الأولى في العدد الأول من مجلة "ميكانو"...طبعا لما تقروا مش حتستغربوا ان المقالة منشورة في باب اسمه "حارة لسعان"! أصل دي باكورة لسعاني معاهم

أوباما جاي...أما نشوف!

31 مايو، 2009

فإيه بقى؟!

معهد جالوب بيقول إن الشعب المصري من أكثر شعوب العالم تشاؤما, بينما بقى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزرا عندنا بيقول إن 89% من المصريين سعداء وراضيين والأشيا معدن...
فإبه بقى؟!



26 مايو، 2009

لحظة حلم!


يشتعلُ
غيرةً
وجنونًا
من القبلاتِ التي توزِّعُها
أمامَ عينيه
على حوافِّ الفنجان.

الفنجانُ اللعينُ!

الفنجانُ المحظوظ!

كُلَّ صباحٍ
تعاودُهُ الخطَّةُ الشرِّيرةُ ذاتُها:
سيفلتُهُ من يدِهِ
ويصرخُ من أعماقِ البيت
كطفلٍ أسقطَ كوبَ الحليبِ سَهْوًا
مفتِّتًا غريمَهُ
على بلاطِ المطبخ البارد
راسمًا على وجهِهِ ابتسامةً محيِّرة:
انتصارٌ؟
أم اعتذار؟

لكنَّهُ يتراجعُ دائمًا
في اللحظةِ الأخيرة
ويوبِّخُ نفسَهُ بقسوةٍ و خجل
وهو يتخيَّلُ قبلاتِها الحلوة
مكسورةً
مرميَّة
في الكيسِ الأسود
وسطَ القاذورات
وبقايا الطعام.
الغريم- سوزان عليوان

13 مايو، 2009

ياعزيز عيني وأنا نفسي أروح بلدي

ياعزيز عيني
وانا بدي أروح بلدي
ليلة نمت فيها
وصحيت مالقتش بلدي
بلدي يا بلدي
وياعيني على بلدي
بين أهلي وناسي
وبقيت غريب يا بلدي
عم يا اللي ماشي
ظلم ماترضاهشي
سافر قلبي وماجاشي
يدور على بلدي

تلك الكلمات بكل ما فيها من اغتراب كانت آخر ما صاحب عرض فيلم "عين شمس" لمخرجه الشاب ابراهيم البطوط...

في وسط القاهرة الغجرية قضيت أمسيتي, الشطرالأكبر منها منحته للفيلم الذي ظننته في البداية فيلما آخر يضاف إلى "فورة" أفلام السينما الواقعية التي أصبحت التيمة المفضلة في قاعات العرض السينمائي مؤخرا, ربما لأنها الأكثر إدرارا للربح أو لأنها قد تضع صانعيها في مصاف النشطاء ذوي المواقف الكبيرة, أو لأنه بالفعل الكيل طفح ولم يعد للصمت مكان بيننا...ما علينا...النتيجة في كل مرة أني كنت أخرج من قاعة عرض الفيلم من دول لا تحضرني إلا فكرة الهجرة!...حلم عبور المتوسط ولو تحت جنح الظلام في قارب من القوارب ال"غير شرعية" إياها ! المهم الواحد ينفد بجلده !

لكن فيلم "عين شمس" كان على جانب من الاختلاف في أثره بحق...

صحيح أن في الفيلم أشياء وافدة من عالم المبيدات المسرطنة والفقر واللهاث وراء لقمة العيش ووصلات الديش غير القانونية والأفراح التي تحييها راقصة ذات شعر ذهبيته مصطنعة و في الغالب حبلى(!) وأوراق البفرة الملغومة والبيرة...و صحيح أن الكاميرا أخذت عيني رغما عني إلى داخل مستشفيات التأمين الصحي وما أدراك ما التأمين الصحي.. وصحيح أن مشاهد تظاهرات وسط البلد الحية موجعة ومخيفة.. وصحيح أن "شمس" الطفلة التي تنسج خيوط الفيلم حولها والتي- دون أن أدري- توحدت مع أحلامها وشقاوتها وضفيرتيها المجعدتين الحلوتين طوال الفيلم ماتت بمرض السرطان..صحيح أن في الفيلم كل هذه التراجيديا وأكثر...لكن صحيح كذلك أن المخرج أبى إلا أن يترك لنا بعض ومضات النور في أركان هذا العالم الرمادي...

فمثلا شباب "المنطشقة" الذين -بالمناسبة يعني- يثبتون شعورهم بكميات هائلة من مثبتات الشعر الرخيصة ويترزقون من عمل وصلات الديش غير القانونية ومن فك شفرات القنوات المشفرة لأهل "عين شمس", آلمهم أن يتسرطن جسد الفتاة الصغير بلا ذنب جنته حتى يهمد إلى الأبد, فقرروا أن يستغلوا سيطرتهم على كابلات ووصلات الديش في المنطقة فإذا بهم يبثون -قسرا - فيلما وثائقيا توعويا موضوعه مرض السرطان والقدرة على مقاومته وقد اختاروا لذلك وقت إذاعة "الماتش" حيث الكل يجلس أمام الديش كالوتر المشدود! ومن بعد وثائقي السرطان تتوالى الأفلام الوثائقية التي يعرضونها (بلطجة) على أهالي المنطقة وكأنما يصنعون بذلك ثورتهم الصغيرة وتمردهم الوحيد!

حتى محتوى الوثائقي ذاته كان متمردا على المرض ومتمردا على رفض الناس أن يسموه باسمه مفضلين أن يشيروا إليه بـ"المرض البطال" وكأنما يخشون ذكره لئلا تتلوث ألسنتهم به...

ومضة أخرى تراها خاطفة في نظرة خجل في عيني الرجل -ابن المنطشقة كذلك- الذي اعتاد أن يطعم الدجاج في مزرعته حبوب منع الحمل "عشان تسمن"...نظرة خجل تملأ الكادر بينما يتساءل أبو الطفلة "شمس" أمامه وأمام أهل "عين شمس"عن جدوى العلاج من السرطانات في بلادنا بينما كل ما حولنا لا يجلب إلا المرض فالطيور عندها انفلوانزا واللي سليم منها واخد حبوب منع الحمل والفاكهة محقونة والخضار متسرطن؟!! في كل اليأس الذي نقلته لي نبرة صوت الأب وهو يتساءل تظل نظرة الخجل في عيني صاحب المزرعة ومضة نور لأنها على الأقل ذكرتني بأن هذا الذي يهد في بدني هو في النهاية إنسان, يمكن أن يخجل!
ومضة أخرى عابرة سريعة تجلت في لحظة تقع فيها عينا الأب على أحد المدرسين في مدرسة ابنته, فيتذكر أن هذا المدرس بالذات كان قد استقل يوما معه"التاكسي" وقد خرج لتوه من إحدى مظاهرات تكسير العظام في وسط البلد...فهل كان يعدنا المخرج في هذه اللقطة ببكرة أفضل؟ بجيل جديد يتم إعداده ليقلب الموازين ويتمرد على كل ما هو جدير بالتمرد؟
الومضة الأخرى التي وفدت من عالم ما وراء العالم, هي تلك التي تمثلت في أنه منذ وفاة طفلته و في موعد لا يُخلف من كل عام يجد السائق البسيط "رمضان" -أبو الطفلة الفقيدة - "فردة الكاوتش" للتاكسي الذي يملكه "مهوية حبتين" وهي "الفردة" التي كانت طفلته "تهويها" نكاية فيه لأنه لم يكن يستجيب لإلحاحها عليه أن يصحبها إلى وسط البلد... إلحاحها الذي كان مشفوعا بوعيد: "والله لو ماودتني وسط البلد لافرقع فيك كل يوم صاروخ!" ..لقطة ذكرتني بأن الموت لا يعدو أن يكون انتقالا بين عالمين يظلان -وإن لم ندرك- على اتصال...
وأخيرا الومضة الأبهى كانت الأم التي لعبت دورها حنان يوسف (والتي نفهم من اسم زوجها "رمضان" أنها مسلمة) حين علمت بقرب لحظة فراق الابنة الوحيدة فإذا بها تستعد للحظة كأجمل ما يكون...فتحكي لابنتها حكاية السيدة العذراء...حكاية العذراء الأم...تحكي لها عن فقد الأم الذي عاشته السيدة العذراء بهدوء وتؤدة ومن دون دموع وكأنما تؤهل روحها وتتوحد برضا مع ألم السيدة مريم وعذابها, ثم تصحب الفتاة في رحلة إلى إحدى البقاع التي يعتقد أن السيدة العذراء استظلت بشجرة عليها في منطقة "عين شمس" وتوقد شمعة أمام أيقونة العذراء وفي حضنها السيد المسيح طفلا...الأم التي تتأهب للفقد الكبير توقد شمعة للسيدة العذراء والطفلة التي لا تدرك ما حقيقة الأمر تقلد أمها فتوقد بدورها-مبتسمة- شمعة بأصابعها الصغيرة...
هذه الرحلة الروحية التي لعبت على وتر المحبة ونبذ التعصب أهبتني أنا نفسي كمشاهدة لفقد الفتاة الصغيرة التي قتلت مغدورة بالمبيدات المسرطنة...

كلما رأيت وجه حنان يوسف الحزين يملأ الشاشة تجمعت الدموع في عيني رغما عني...وجه مصري محفور وأداء أكثر من عبقري في تلقائيته...وجه امرأة متعبة لكن التعب لا يهدها..امرأة لم يهدأ خاطرها إلا بعد أن أنجبت طفلا عقب رحيل ابنتها ومنحته اسم"عين شمس" ضاربة عرض الحائط بتعليقات وتحفظات الجميع!


المفارقة التي لم يفت المخرج أن يلفتني إليها والتي كادت أن تضيع مني وسط كل الوجع في الفيلم, هي أن منطقة"عين شمس" التي تدور فيها أحداث الفيلم والتي تظهر أحوالها مزرية لدرجة تجعلك تفكر في أنها جديرة بمرثية من ألف بيت, كانت إحدى عواصم قدماء المصريين في أيام العز!