الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2008

كفاحي...أيوالله كفاحي!

كما كان لهتلر كتاب أسماه "كفاحي" بث صفحاته أفكاره النازية و رؤاه الهتلرية الجامحة التي يتضافر فيها السياسي والاجتماعي والتاريخي و الأنثربولوجي والشخصي, من حقي أكتب أنا كمان كتاب وبرضه أسميه "كفاحي" أبثه شيئا من صراعاتي و مواجهاتي و تساؤلاتي ولعناتي ودموعي وآهاتي وأناتي التي تتردد أصداؤها في عالم الميكروباصات وسواقين الميكروباصات!! ولا يظنن أحدكم أن كفاح هتلر يزيد ويفيض في حجمه بحال على كفاح مواطن مصري ربنا كتب عليه الشعبطة في الميكروباصات... ولست أرى في المقاربة والموازنة بين كفاح هتلر السياسي في ألمانيا ما قبل النازية ولا بعدها وبين كفاحي مع المواصلات في القاهرة مبالغة ممجوجة ولا مستنكرة!بعد دراسة ميدانية متأنية (كل يوم شعبطة رايح وشعبطة جاي في الميكروباصات حتى غدوت وجها مألوفا في عالم الميكروباص, بل إن أحد سائقي الموقف الذي أتألق ببهاء في سمائه بقى معتبرني "من حريمه" فلا يسمح لراكب متنطع- وما أكثرهم- بالتنطع علي والتلزق في ولا يسمح لأحد من الجنس الخشن بالجلوس إلى جواري من أصله...ودي طبعا -ولا فخر- مكانة لا تصل إليها أية راكبة ولا حتى بشق الأنفس! قد يسألني سائل: ومن أين لك المكانة الخاصة يا سيدتي؟أقوم أرد على هذا السائل أعزه الله وأقول إن محسوبتكم بقى الموقف دة أخد منها راقات على مدار سنين...والأقدمية تخلق نوعا من الألفة كما تراكِم شيئا من الخبرة المشتركة, والألفة والخبرة المشتركة عاملان لا يستهان بهما في أي حقلٍ كان) المهم بعد دراسة ميدانية لم أختر أن أجريها بل إنها فرضت نفسها علي فرضا لكثرة ما تشعبطت في ميكروباصات واتخانقت وفضيت خناقات ولميت أجرة ولخبطت الحسابات وتعاطفت مع سواقين مزوغين من الباشوات الظباط لأن معاهمش رخص ولا عندهم واسطات كبيرات تحميهم من اللزق على القفاوات, لقيت دماغي من تلقاء ذاتها بتعمل stratification للعناصر المكونة لعالم سواقين الميكروباص, يعني إيه الكلمة الأجنبية دي؟ يعني تصنيف طبقي كدة... خلصت من هذه الدراسة إلى تصنيف أولي عله بعد التطوير والتنقيح يصلح للتسجيل باسمي زي هرم "ماسلو" بتاع الحاجات النفسية الأساسية كدة وزي هرم أفلاطون الطبقي الذي وضعه لـ "جمهوريته"...نعود للدراسة التي استخدمت فيها المقاربة المعروفة بـ Participatory Observation أي الملاحظة بالمشاركة فوجدت أن لدينا ست فئات أساسية يتكون منها عالم العربيات اللي بالنفر: الفئة الأدنى هي فئة "التباعين" ودة بقى تلاقي عيل اسم الله حلو 12 ولا 13 سنة كدة, في الغالب لم يتلق أي نوع من أنواع التعليم...تجد في عينيه نظرة رجل ثلاثيني -على الأقل- لكثرة ما رأتا واشتهتا وانكسرتا... والواد دة مدهش غالبا في ذكائه وسرعة بديهته...وفي الخناقات تجده يردد كلام الأسطى اللي علمه ورباه حتى وإن كان لا يدرك تماما معناه, وهذا الكلام يكون من نوع " جرى إيه ياد دة أنا آكل مصارينك صاحي...ياد اتكلم على قدك...ما تخلنيش أنزلك...دة أنا قلبي ميت!) حتى إنه ليدهشك كيف تنطلق هذه الكلمات "الرشاشة" من بين الشفتين الصغيرتين السمراوين هاتين!الفئة التي تلي التباعين هي فئة السواقين من غير المالكين...يعني السواق اللي شغال على عربية لا يملكها...وهذا يمكنك أن تتعرف عليه من خلال قراءة وجهه وطبقة صوته, فهذه الفئة لوحظ عليها من خلال الدراسة انخفاض نسبي في الصوت وهو عرَض مصاحب لنظرة منكسرة في العينين (لأنه عايش بنفسية موظف) !بعد السواق غير المالك, يأتي السواق المالك اللي عربيته عليها أقساط !...ودة تعرفه من ملمح أساسي يتمثل في كونه بيسوق العربية "بحنية" ...يعني مابيتعافاش ع العربية...مش عليها أقساط ؟!فوقهم في التراتب يأتي السواق المالك والذي خلّص الأقساط اللي على العربية... ودة بقى تلاقيه فاتح صدره للحياة وتجده يتعامل مع الراكبين بنفسية "الرأسمالي غير الوطني"! وقد تلمح على وجهه إذا أنت طالعت انعكاسه على المرآه التي أمامه والتي تكشف له الشارع من ورائه- تلمح نظرة تشبه تلك النظرة التي تجدها في عيون الطيارين ...نظرة ثقة مشوبة بتعجرف وكأن لسان حاله يقول: انت هنا في منطقتشي! يعني تلعب اللعبة بقواعدي أنا...!فوق هؤلاء يأتي منظم الجدول ....ودة بقى الرجل الذي يعمل في الخفاء...دة الرجل الذي يمسك بخيوط العرائس الخشبية والذي لا يحتاج لأن يتهدد أو يتوعد...إذ تكفي نظرة من عينيه لتنفض الغاغة وتدخل الأمور طيّ السيطرة... ودة بقى تلاقيه أكبر سنا من معظم السائقين وتلاقيه واقف في الموقف –كما السبع- بيلم الإتاوات! في مقابل إيه؟ ماعرفش! طب بيهابوه ليه؟ برضه ما عرفش...مرة سألت سواق في لحظة صفا كدة عن سر سطوة الأخ اللي بيلم الإتاوات دة وليه بيتعاملوا معاه كما لو كان "رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير" فقاللي شيئا من قبيل إنه –البلطجي- في الغالب بيلعب دورحلقة الوصل بينهم وبين نقطة الشرطة في المنطقة...وآخر قال إنه بيبقى "بلطجي ابن حرام " واللي يزرجن و ما يدفعش الإتاوة ممكن يزق عيل بشوية مية نار ولا مطوة يجيب بطنه! وفي رواية أخرى فإن هذا البلطجي هو الشخص المنوط به الاضطلاع بمهام الحماية "واللي ما لوش كبير بيشتريله كبير يا أبلة!"...فوق هؤلاء وأولئك ودولهمّ ودوكهمّ جميعا يأتي سعادة الباشا "حا الظابط" ...ودة بقى زعله وحش وحش وحش! ودة بوز الهرم- أقصد قمته- في هذا المجتمع المصغر...وإن كان مش كدة في مجتمع الظباط...وهكذا...يمكنك بوضوح أن تلمس نمط العلاقات السائد في هذا المجتمع, فبينما ياخد التباع على قفاه من السائق غير المالك, يأخذ السائق غير المالك على قفاه من المالك كما يحترم الحدود بينه وبين السائق المالك خصوصا لو كان مخلص أقساط العربية!...والنمط يتكرر هكذا دواليك ابتداء من قاعدة الهرم المتمثلة في التباعين ووصولا إلى قمة الهرم المتمثلة في الباشا حا الظابط مرورا بالسائق غير المالك فالسائق المالك اللي عليه الأقساط ثم السائق المالك اللي خلص أقساط العربية ثم البلطجي اللي بيلم الإتاوة ويمنع ويمنح فيما يتعلق بمين العربية اللي تحمل الأول ومين اللي تطلع آخر النهار!وهكذا ما أن أتعاطف مع طبقة حتى أجد من هو أجدر منها بالتعاطف...ثم إني أدركت كيف أن العلاقات البينية في هذا الهرم متشابكة وحتى الأدنى لديه وسائله الالتفافية الالتوائية التي يعرف كيف يدير بها علاقاته مع الأعلى في التراتب بحيث تنتهي في صالحه أو على الأقل بأقل الخسائر عليه...ودي بقى يا فندم اسمها "سياسية"...لأن السياسة مش بس لعبة قصور الرئاسة وأروقة الدواوين الحكومية...السياسة وفقا لأحد أشهر التعريفات النظرية هي who gets what when and how يعني مين يهبش إيه وإمتى وإزاي...ووفقا للتعريف دة فإن كل سلوك إنساني هو سلوك سياسي سواء كان الفرد داريان إنه بيلعب سياسة ولا مش داريان...ووفقا للتعريف دة فإن مجتمع "سواقين العربيات اللي بالنفر" اللي هي الميكروباص هو مجتمع highly politicized أي مجتمع بيلعب سياسة ...ومن العيار الثقيل كمان!



كانوا أربعة...تلات بنات وولد...واحدة منهن كانت جميلة...دقيقة الملامح لها جسد ضئيل بض...تثبت في أنفها حلقة غجرية تزيدها جاذبية... لكن –ويالدهشة- هذه المرأة الصغيرة الجميلة كانت تحمل صورة ذهنية لنفسها مشوهة لدرجة كرهت معاها المرايات وألواح الزجاج وواجهات المحلات والكاميرات وكل ما يصلح لأن يعكس صورتها أمام عينيها...الثانية كانت تسمي نفسها الطفلة الديكتاتورة...نحيلة عصبية غيورة متحكمة تحب وتكره بنفس العواصفية والشطط...تدخن بشره ॥تنتحب بعويل موجع وتضحك بصخب رجل عربيد...الثالثة بوهيمية محبطة...لا تريد من دنيا الله أكثر من ثالوث البوهيمية الأقدس: الحب والحرية والجمال...ودنيا الله أضن –على ما يبدو- من أن تمنح الحب والحرية والجمال لامرأة واحدة...مغتربة في كل المجتمعات...لديها قناعة بأنها تتحدث لغة لا يفهمها سواها وأنه ما من أذنين يمكن أن يستوعبا ما تقول ...روحها لا تهدأ وقلقها لا يكاد يسكنه مسكن...حظها الفقير مع الرجال أورثها حزنا عميقا ...ولغة جسد صبيانية!...الفتى جميل القسمات... فقير, له كل عقد الفقراء وثورات الفقراء وأحلام الفقراء وتمرد الفقراء وقدرة الفقراء على الضحك...وإن كان ليس أسهل من أن تدمع عيناه... وليس أسهل من أن ينهار بتكوينه النفسي الهش وضعف إرادته, على الأقل إذا ما قورنت هذه الإرادة بقوة غضبه...جمعتهم ليلة خريفية باردة لم يحسبوا لها حسابا ولا خططوا لها...اجتمعوا بغير ميعاد...بغير موضوع مشترك ولا خلفيات متشابهة ولا عوالم داخلية متقاربة ولا الواحد منهم يعرف الباقين حق المعرفة ولا حتى يدرون ما ألف بين كياناتهم في تلك اللية...كل واحد منهم جاء من عالم بعيد...كل يصف عالمه للآخرين الذين يستمعون بفهم مبتسر وإحساس مشوش ...تحكي الجميلة ذات الحلقة الغجرية في أنفها عن قبحها ودمامتها المتخيلة وتتحدث بشهوة عن الموت, فلا يفهمون من أين ينبع ذلك التناقض بين ما تقوله عن قبحها وبين ما تراه أعينهم من جمال في ملامحها وجسدها! وتحكي الديكتاتورة الصغيرة بعصبية وغل عن رجل أحبته لكنه "كسر أنفها" و"جرح كبرياءها" و"سحقها" وكيف أنها تعرف كيف تنتقم منه, فينصتون لها بتعاطف وإشفاق ممزوجين باشمئزاز من طبيعتها المنفرة وشماتة في أنفها الذي كسر, فلا هي يهمهم أمرها حقا ولا هم يحزنون لكبريائها الجريح ولا هم عرفوا الفتى "الساحق" ولاكيف سحقها, وكل ما يسعهم هو الإحساس بنصف تعاطف مع امرأة شابة تأكلها عصبيتها أكلاويحرق صدرها دخان السجائر الذي تتنشقه كما تتنفس الهواء! وتحكي ذات البوهيمية المكبوتة كيف أنها لا ترى ما تطلبه من الدنيا كثيرا حقا ولا تدري سر بخل السماء مع دعائها الملح...فما تريد, كل ماتريد, هو قصة حب حقيقية تجري تحت سماء بلدة جميلة في بيت بلا سقف يحجب عنها طيور الله التي ترفرف في سمائه, فيجدونها مخبولة غريبة الأطوار ولا يفهمون حقا ما حكاية الحب والجمال والحرية هذي التي تحكي عنها لكن حياءهم يمنعهم من السؤال كي لا يبدوا جاهلين! بل إنهم جميعا كانوا يهزون رؤوسهم كما لو كانوا جميعا خبراء في الحب والحرية والجمال أو كأنهم شربوا من القيم الثلاث حد الثمالة! ويثرثر الفتى الفقير بأشياء عن الثورة وعن حقه في أن يسرق الأغنياء ويحكي بفخر طفولي عن المرات التي تسلل فيها إلى محل الكتب جوار منزله ليسرق رواية رومانسية أو كتابا عن حياة جيفارا دون أن يتمكن رجال الشرطة من الإمساك به, فتنظر له الفتيات بإعجاب ...لكنه إعجاب غير مكتمل, إذ تدركن من هيئته وانكسارة عينيه أن فقره قد شوه فيه شيئا لا تقدرن على الوصول إليه فضلا عن إصلاحه... ومن يريد له إصلاحا؟ ومن يمنح من عمره لإصلاح ذوي النفوس المشوهة والأرواح المكسورة؟ خليه لما يعفن حتى!في تلك اللية التي كانت هي الأولى و الأخيرة التي جمتعهم, فكروا كيف يجعلون منها ليلة خاصة...نرقص؟ لا مش عايزين! نجوب المدينة ركضا من شرقها لغربها سويا بلا وجهة ولا قيد ولا مواعيد ولا برامج؟ لا مش قادرين!...نروح مدينة تانية؟ مافيش فلوس تسمحلهم يعيشوا ترف السفر! فجيوبهم أنظف من ضمائرهم!ثم جاءت الفكرة الساحرة...أن يجتمعوا في تلك اللية الأخيرة على سيجارة حشيش! سيجارة واحدة دفعوا فيها كل ما كان في جيوبهم وفي حقائبهم الملونة وفي ملابسهم المبعثرة....فكروا أن سيجارة واحدة تكفي لأن يسترخوا وأن تزول الحوائل والحواجز الوهمية التي أقامتها الحياة بينهم بكل ما بينهم من فروق واختلافات...لما يتسطلوا حيتكلموا لغة واحدة...حيفهموا بعض أكتر ويحسوا ببعض أكتر...فيه حواجز عقولهم مش قادرة تتخطاها في وعيها...يمكن السطل تتخطى بيهم الحواجز...وهكذا ترى المشهد...الأربعة متكومون في دائرة في بطن حجرة قذرة نصف مضيئة نصف مظلمة...يتناوبون على السيجارة المنتفخة المستطيلة...يسعلن ويسعل...تثقل أجفانهن ويثقل جفناه...خيم على أربعتهم الصمت الثقيل...ينظرون إلى بعضهم البعض بعيون لا تنتمي تماما إلى عالم الوعي لكنها لم تنتم بعد إلى عالم الغياب! الصمت بعده خامسهم الذي لا مرحبا به...من يا ترى سيبدأ بالكلام؟ وما يقول أو تقول؟ هل هو الفتى الثائر يبدأ ثورته هنا والآن؟ أم الديكتاتورة تبدأ في إصدار أوامر عصبية من نوع "قومي اعملي عجين الفلاحة...دلوقتي يا بنت الـ..." أم تراها الجميلة القبيحة تبدأ في سب الدهر الذي منحها هيئة لا تقدر إلا على مخاصمتها ومخاصمة كل مرايا العالم معها؟ أم تراها البوهيمية المكبوتة تنفجر بأغنية صاخبة أوتقوم فترقص طربة وكأن الدنيا كلها ساحة رقص لقدميها وحدها؟هسسسسسسسسسسس!! ثم...البوهيمية كانت الحلقة الأضعف! اتسطلت من أول تلات أنفاس!! انفجرت ضاحكة ضحكة طويلة طويلة مجلجلة توقظ الموتى أنفسهم منزعجين متسائلين عم هنالك!! ضحك هستيري, طاقته كل الحب والحرية والجمال المكبوتين في أعماقها...تضحك تضحك...من دون ولا كلمة! الذبذبات الضاحكة تملأ هواء الحجرة القذرة...وتنتقل العدوى للفتى الفقير رغما عنه...ينظر لها ويضحك...يرتمي على الأرض من الضحك...يضحك يضحك...لا يعرف على أي شئ لكنه لا يملك القدرة على عدم الضحك...يضحك وتضحك بجنون...تنظر الديكتاتورة الصغير إليهما بغل وقد راودها هاجس اضطهادي مسيطر: "إنهما يسخران منك أيتها الديكتاتورة فانظري ماذا أنت فاعلة"! أما الجميلة القبيحة فقد ظلت في قعدتها تتأمل السيجارة بين إصبعيها الصغيرين مستعجبة ناعية حظها: يا دي المرار يا أمه! ما أنا مدخنة معاهم نفس السيجارة؟ ليه هم قادرين يضحكوا وأنا لا أملك إلا الدموع في عيني! وانفجرت باكية!! وبدأ كل منهم يتحدث لغته: البوهيمية تضحك من دون توقف, الفتى الفقير يضحك ضحكا تقطّع تدريجيا حتى وصل إلى حالة من الوجوم ثم الصمت...الديكتاتورة تقلب عينيها بين ثلاثتهم بحذر علها تقدر على اكتشاف "المؤامرة" التي يحيكونها لها والتي هكذا تضحكهم, متوعدة بعينيها الناريتين بانتقام راعد...بس بمجرد أن تقف على الدليل على المؤامرة! ! والصغيرة الجميلة القبيحة تبكي تبكي حد النحيب...الفتى الفقير: بيعاملونا زي الحيوانات...ناكل وننام وننتج...واللي مايقدرش ينتج يبقى يروح في ستين داهية...الموسيقى والفن والجمال كل دي حاجات مش من حقنا نستمتع بيها ليه؟ عشان دي حاجات عايزة فلوس...واحنا جعانين...]بقى نجري على عيشنا واللي نبات فيه نصبح فيه...الموت أكرم من العيشة دي!البوهيمية تضحك بدون توقف!الجميلة القبيحة الباكية: يا بختها! هي ازاي بتضحك كدة؟! مش هي شدت معانا من نفس السيجارة يا جماعة؟؟ طب اشمعنى؟ أنا كمان عايزة أضحك زيها كدة!الديكتاتورة الصغيرة: خلوها تخرس بدل ما أقوم أقتلها!الفتى الفقير (ينظر للبوهيمية بتعاطف) : سيبوها يا جماعة...سيبوها تضحك...سيبوها مغيبة...ماحدش يفوقها...كلها ساعتين وترجع للواقع المهبب! أنا بس نفسي أعرف هي حاسة بإيه! أنا عمري ما ضحكت زيها كدة!صمت لا ينتهك حرمته إلا ضحكات البوهيمية الهستيرية!الديكتاتورة (وهي تسد أذنيها بكفيها): مش طايقة صوت ضحكتها العالية! سكتوها ...حا تجنن!فلما فشلوا في ترويض ضحكات البوهيمية قامت الديكتاتورة الصغيرة مندفعة خارج الحجرة وكفاها على أذنيها॥تركتهم إلى الأبد من دون وداع...وبعصبية صفقت الباب خلفها وهي تلعنهم وتلعن الليلة السوداء التي جمعتها بهؤلاء المخابيل!ثم جاء دور الفتى الفقير ليغادر الحجرة...فقام صامتا واجما بعد أن ألقى نظرة أخيرة على الفتاتين...ثم قال قبل أن يغلق الباب خلفه: لا يبدو لي أني سأقدر على القيام بالثورة التي أحلم بها...أنا أضعف من غضبي, أو هو غضبي أقوى مني...مش عارف! خليني مسطول أحسن! لكن اللي اوعدكو بيه اني حارجع بلدنا أزرع بطاطس وطماطم و اتجوز و اخلف عشر عيال...وأزرع حلم الثورة في قلب كل واحد منهم... يمكن واحد منهم يغير حاجة لما يكبر...أزرع الحلم دة قبل ما تتجمد يذرته في وجداني...قبل ما تسيطر علي هواجس عبثية أفقد معاها رغبتي حتى في الحياة...سلام!ثم جاء دور الجميلة القبيحة لتغادر الحلقة التي ضمتها مع هؤلاء الغرباء ليلة كاملة...ضمت إلى صدرها البوهيمية الضاحة التي كانت ما تزال تضحك...ضمتها بعينين باكيتين قائلة: مش قصدي أفسد ضحكتك والله ولو اني مش عارفة هي ضحكتك دي معناها انك فرحانة ولا ايه...بس انا حزينة...حزينة جدا ورحلتي مع الحشيشة الليلة أكسبتني المزيد من الحزن...وماعتقدش اني ممكن في يوم أضحك زي ما انتي بتضحكي كدة! انتي سامعاني أصلا؟ ...شكلك مس سامعاني ولا فاهماني...ثم قبلتها وغادرت باكية... وظلت البوهيمية تمارس ضحكها المخبول في جزيرتها المعزولة حتى مطلع الفجر!ولا حد عرف هي كانت بتضحك على إيه ولا حد عرف الديكتاتورة خيالها صور لها إيه بالنسبة للمؤامرة التي تحاك ضدها ولا حد عرف البنت ذات الصورة المشوهة كانت بتعيط ليه ولا حد قدر يقنعها أنها مش دميمة, ولا حد قال "يا ثورة" مع الجدع الحليوة اللي طافح الدم, ولا سيجارة الحشيش اللي كان معقود عليها الأمل تلمهم وتوحدهم وحدتهم...يا نهار اسود! حتى الحشيش مش نافع؟! حتى السطل مش شغالة؟! حتى دخان السجائر العمرانة في الحجرات المعتمة لا يحرر أحلامنا المكبوتة التي قصمت ظهرونا لكثرة ما حملناها في أحشائنا؟ حتى هذا لا يطلق ألفاظ لغتنا المتعثرة التي نتعتع بها في نهار الطواغيت ولا يستر قبحنا وعيوبنا المخزية؟ أين إذن تتحرر الأحلام المكبوتة والألسنة الثقيلة وتخفت دمامة النفوس المشوهة إن لم يكن في دخان الحشيش في الحجرات المعتمة ؟!



المجد للغة الشوارع! قيل من قبل إن صلاح جاهين بشعره العامي شكل خطرا على اللغة العربية لأنه -أقصد الشعر- حلو ومغرِ ومتسرب للعقل ومنساب للوجدان ببساطة وعفوية حتى إن القارئ لا يكاد يلحظ أن هذه القصائد مكتوبة بلغة "الشارع" إذ تباغتك ألفاظ "المقاهي والأرصفة" التي استخدمها جاهين بينما أنت مستغرق في تتبع الصور والأفكار والتخييلات التي تتخدر بها غيرة الغيورين على الفصحى...ولأنه ليس بيننا جاهين الآن, فإن الاتهام المسدد المعلق في الفراغ بعده يبحث عن متهم يلتصق به, وتأتي المدونات كفريسة سهلة لهكذا اتهام...فالمدونون متهمون بتهديد اللغة العربية بذلك المزيج الضاحك المر الساخر بين الفصحى ولغة المقاهي والأرصفة...حين أتصفح المدونات المصرية أجد نفسي أمام حالة من "طولة اللسان" التي تضحكني رغما عني! أو كما أشار واحد "حزب وطناوي" إلى هذه الحالة مشبها إياها بثقافة "سواقين الميكروباص"॥ والحقيقة كما أراها أن بعض هذه المدونات إن لم تكن كلها لا تناسبها إلا هذه اللغة...فالمدونون إجمالا يلبسون حلل "حرافيشية" صعلوكية لا تناسبها إلا هكذا لغة... ولست أتصور عالم المدونات يجند لخطابه ألفاظا متقعرة ولا لغة منمقة متحذلقة (زي اللي أنا مستخدماها في التدوينة دي كدة!)...فالتدوين فعل لا مُمأسس وهو إفراز "الشارع" السياسي المصري وهو الإفراز الذي ضخ إلى الحياة الإلكترونية المصرية ضخا عفويا لا يخلو من غضب...والغضب على الطريقة المصرية لم يخل أبدا من مضاحكات ذكية منفلتة...شاهدت بالأمس مشهدا من مسلسل "أديب" لطه حسين وكنت قد قرأت الرواية منذ سنوات وهو نص من أجمل ما قرأت في حياتي, في المشهد قال "أديب" الفتى ملتهب القلب دميم الخلقة لفتاة يتودد إليها, قال : اعزفي لنا شيئا من الموسيقى...فقالت: أعزف أنا على أن تنشد أنت شعرا وليد اللحظة...فأجاب: هذا يتوقف على جمال ما تعزفين, فعزفت...عزفت عزفا حلوا حرّك قلبه واستفز خياله وما أن كفت عن العزف حتى انطلق ينشد الشعر بلغة عربية مزخرفة قوية من دون تكلف...هذا حال شاعر لمسته جنية الموسيقى فتدفقت اللغة من بين شفتيه شعرا يغازل الآذان والمخيلات, فهل من عدلكم أن تطلبوا من المدونين أن تتدفق عبر تدويناتهم لغة شعرية أو سماوية وما لمستهم ربة الموسيقى ولا آتاهم وحي ولا مسهم إلا القرح في حرب يومية مع طواحين الحياة في بر مصر؟وإني والله –على غيرتي على الفصحى وتلذذي بتفصيلاتها وجموحها وتحدياتها واستعلائها بين اللغات- لست أخال مدونا "بيسب ويلعن أبوخاش الفساد والفاسدين" قائلا: "ويحهم...ألا تبت أيديهم وساء ما يعملون"! طب تيجي إزاي؟ دة حتى العاقلين قالوا قبلنا لكل مقام مقال।من الآخر يعني, إذا كان التدوين تاريخ المسحوقين تكتبه أيدي المسحوقين أنفسهم فالخلود إذن للغة الحرافيش والمجد لألفاظ العربجية والحشاشين!









حد قرأ مدونة مولانا د. أحمد عبد الله الأخيرة "الضجر"؟ طيب أنا قريتها...ولأن المدونة موضوعها الحرية وجدت نفسي منفعلة أشد الانفعال فكتبت لمولانا شيخ الطريقة دكتور أحمد إيميل طويل عريض حانشر هنا جزء منه...بعد الصباحات والسلامات يعني..."قلتلك يا مولانا لما تقابلنا آخر مرة على فنجان القهوة الصباحي إن أول شئ عملته بعد ما قرأت مدونتك "الضجر" كان أن يممت وجهي شطر النافذة...وهو ما كان فعلا...أطلقت عيني لتتنفسا من جمال الشجرة العجوز المائلة على زجاج النافذة المقابلة لمكتبي في مكان عملي...آه يا مولانا آه...حريتنا التي لا نعمل لأجلها بما يكفي...واستهلاكيتنا التي تقتل في داخلنا كل جميل...أووففف يا دكتور أحمد أوووف...أنا بس ما رضتش أغير مزاجك بشكواي يوم أن التقينا ع الصبح كدة لكن أنا مخنوقة أكتر مما تتصور...وموضوع العلاقة بين الحرية والدافعية دة ناكش في دماغي جامد من ساعة ما كتبتلي عنه في تعليقك على تدوينتي الأخيرة...حبيت كلامك عن "حدود" ربنا وأنها وجدت حدودا تحف المساحات الإنسانية البرحة الشاسعة الواسعة التي منحها لنا الله لنتحرك فيها و احنا سايبينها وبنتمسح في الحدود ونلتصق بها ونتمحك ونختنق ونتفنن في أن نخنق بعضنا البعض...مخنوقة...ومحتاجة أتنفس...يمكن يكون النص بتاعك الأخير ساعدني أتنفس شوية...أو حسسني أني أستحق رفقا بنفسي بدل ما أنا عمالة أجلدها ليل ونهار عشان أنتج أكتر وأركز أكتر وألتزم بمواعيدي أكتر وبسلوكيات البنت الراقية التي ترتضيها الفاميليا أكتر...أوففففف! أوفففففففففففف كبيرة جوايا مش قادرة أقوللك قد ايه...أنا حتى كنت على وشك أعمل عليك إزاحة عدوان اليوم بس صعبت علي!! لكن الحقيقة كان مزاجي عدواني جدا ولا يزال الحقيقة...مزاج مخنوق...مغترب...نرجع للنص...سعادتك بتقول:ورغم أن السجناء يستمتعون في زيارتهم لأوروبا لا أحد يعود ليطالب: نريد حياة بلا قضبان ولا أسوار ولا قيود ولا سدود، ونعرف سلفا حدود الله... !! مين قال الكلام دة؟؟ هو أنا صحَى الغجرية جوايا غير السفر بلاد الله لخلق الله؟ الخلق يا مولانا لسانها متدلدل كلام عن الحرية ...يحلمون بها ويتغنون بالكلمة ويهذون بحروفها ولو طالوا يضاجعوها يضاجعوها...انت بتقول وتطالب بالحرية بقالك كام سنة؟؟ كلامك غير ايه؟؟ بالعكس انت حرمت ناس كتير من بهجة العمى...ولا منك ساعدتهم يتحرروا ولا منك سيبتهم فاكرين ان اللي هم فيه أملة...اللي سافروا برة وداقوا الحرية يا دكتور غالبا ما رجعوش هنا تاني( وانت قلت لي ان دة نزوع انساني بوسعك أن تتسامح معه)...واللي رجع...مين راح ورجع زي ما راح قانع راضي دون أن يحكي ودون أن يطالب؟؟أنا ما شفتش غير ناس راحوا متأسلمين ورجعوا ملحدين أو على الأقل زنادقة!!! ومن رحم ربي عاد ليبرالي أو مسلم متحرر من القوالب الجامدة ...المهم انهم رجعوا غير ما راحوا بعد أن كفروا بموروثاتنا الثقيلة في مقابل لذة الحرية التي بالفعل بقى ضاجعوها هناك ورجعوا يصرخون من لذة جماع الحرية التي ما عرفوها في بلادهم ...عمل ايه صراخهم؟ رجعوا سجناء غصب عن دين والديهم! أو قل متماهين مع السجناء وثقافة السجن كي لا يبدوا أغرابا في مجتمع غرائبي...أو مثلي ضائقة عليهم الأرض بما رحبت...لا هم قادرون على الرحيل ولا على البقاء...وكأنك لا تعرف يا دكتور أحمد... بينما أقرأ تدوينتك استرجعت كلامي مع واد صاحبنا دانماركي ملحد لما كان بيقوللي" انتو مؤمنين بربنا في الشرق الأوسط عشان انتو محتاجينه...عشان انتو مأزومين ومكروبين وفقرا وربنا هو الحيلة الدفاعية الأكبر اللي أفرزتها ثقافتكم...أما لأننا في أوروبا لديناتأمين صحي وتأمين على الحياة ومرتبات كويسة وعيشة فل خالية من العبوات الناسفة فنحن لا نحتاج الله!"..وفكرت انه غلطان...مش لازم أكون ساخطة ولا مطحونة عشان أحس بربنا... حتى في لحظات سرور الخاطر وتنشق الحرية أقدر ألمس جمال ربنا وإن كنت سألمس اسما آخر من أسمائه الحسنى بخلاف الجبار والمنتقم...لأ كمان النور واللطيف وذو الإكرام ...لكن حياتنا زي ما انت بتوصفها في النص , مافيهاش تنوع يسمحلنا نعيش حالت مختلفة مع الأسماء المختلفة من أسماء ربنا... أكتر حاجة بنرددها الأيام دي هنا في مصر (وانت نفسك بترددها كتير )"ربنا ما يرضاش بالظلم" بتاعت فيلم ثقافي اللي اصبحت تتردد على ألسنة الشباب طول الوقت مزاحا والتي كانت دوما ولا زالت تجري بصيغ أخرى على ألسنة الكبار المطحونين, صيغ مثل " حسبي الله ونعم الوكيل" التي أصبحت تتردد حولنا أكتر من صباح الخير لكثرة ما يشعر الناس بالقهر والعجز .. يا دكتور أحمد العنصر البشري عندنا زبالة والمؤسسات الحكومية أزبل والمجتمع المدني أزبل وأنيل وأضل سبيلا ...ازيك بجى؟!هي دي الحقايق اللي حضرتك بتحسسني انك وقد قاربت منتصف العمر بعدك تتفاجأ بها...بعدك تندهش لها كطفل!وبعدين سعادتك بتقول إن الحكومات بتاعتنا عايشة في حبور وقد وضعنا كلنا في قمقم مستحكم غلقه... مين قال ان الحكومات بتاعتنا عايشة في حبور؟ دول عايشين في خوف ورعب من اللحظة اللي يفيض فيها القهر بينا وننفجر..على رأي سعد الدين ابراهيم شوف في كل مظاهرة تشكل الفتيات ثلثها على الأقل بيكون قدام كل بنوتة أقله فحلين من بتوع الأمن المركزي...يبقى مين اللي خايف من مين...هم اللي خايفين يا دكتور بس احنا محدش أتانا بالبشارة! عشان سعادتك زي ناس كتير بتكتب وليها قراء بيوصفوا الحالة السودا اللي احنا عايشينها حوالينا ويسيبونا نتخبط في سوادها...وهنا تبدو لي تدوينتك قبل الأخيرة"الإنسان أولا ودائما" مختلفة...زي نقطة بيضة في توب اسود...موضوع المدونة كان محدد جدا و موقفك منه محدد ومن غير عويل ولا نعي بخت وصلت لنفطتك بادئا البداية الصح جدا من وجهة نظري إذ قلت: "في سبيل التغيير، وعلى طريق البناء تبدو المهمة الأعلى، والخطوة الأهم، والعقبة الأصعب متمثلة في الإنسان ذلك الذي بيده مفاتيح التغيير، وإطلاق المبادرات كما إفشال الجهود..." تدوينة "الإنسان أولا وأخيرا" كان بها شئ مما تعرفونه انتو يا بتوع علم النفس بالبرمجة اللغوية العصبية الإيجابية..شئ من إنصاف الإنسان وتثمين قدرته على التغيير بعد تحذيره من شبح محدد ومخيف وخطيرألا وهو ضيق الأفق فيما يتعلق بنظرتنا للدين, كما أنك في التدوينة ضربت مثلا حضاريا من التاريخ (تاريخ أوروبا وقطيعتها مع الدين في صورة معينه فاسدة كان عليها) وهو مثال جديربأن تتأمله أمتنا ...نجحت تعمل دة في المدونة بدون تجميع كل الأشباح اللي بتخوفك في مدونة واحدة كما تفعل في كثير من مدوناتك ... في الآخر اسمحلي أحييك على العبارة دي في تدوينة الضجر "فماذا تريد تلك السلطات أكثر من حجب ثلاثة أخماس المجتمعات بين جدران أربعة باسم الدين!! أعني النساء.والباقي محبوسون أيضا لأن الهوايات حرام، وكل شيء حرام، والتجمعات غير صلاة الجماعة حرام"... صحيح... مش الستات بس اللي محجوزين وراء الحجب في بلادنا...انتو كمان يا رجالة محجوزين وأجسادكم وعقولكم ليست أكثر تحررا من أجساد النساء ولا عقولهن...وحسرتي على حال الرجالة في بلدنا متقلش عن حسرة سعادتك على بنات بلدك اللائي لا ترى فيهن جدارة إلا الجدارة بالشفقة...! ما علينا ...حديث الحرية يثير جنوني فاعذرني اذا كان في مكتوبي بعض الحدةدم طيبا" بس كدة!!! هو دة الإيميل!












منذ فترة وأنا متصالحة مع حقيقة أني مش إنسان صباحي...فيه ناس تلاقيها تبدأ يومها بدري وتبتدي تناغش الخلق من حواليها...صباحه الفل ياعم عب الشكور صباحه نادي يا عب الفضيل اتفضل...وتبدأ الحياة تدب في أوصالهم مع طلعة الشمس وكأنهم يتعجلون أن تطحنهم الدنيا وأن ينسحقوا تحت وطأتها الثقيلة ومش بس كدة لأ وبروح حلوة كمان... منهم راجل بيعدي كل يوم بعد أدان الفجر تحت شباك غرفتي أسمع لهاثه في نفس الموعد من كل يوم وهو يلهج بترديد آيات من القرآن الكريم أو يتمتم بالتسبيح...كل يوم...هو نفس الصوت...وكل مرة أقول بكرة حاطل من الشباك وأشوف مين الراجل الذي يبدو من صوته أنه مسن هذا والذي غدت أذناي مرتبطتين بصوته فعلا...وبمجرد ما أسمع صوته تحت الشباك أحس شيئا من الطمأنينة حتى يثقل جفناي وأحب أن أتخيل أن له هيئة جدي رحمه الله وأنه يرتدي جلبابه الأببض الفضفاض ويمنحني نظرة قوية صارمة فيها حنو خفي كما لو كان يخجل أن يبوح به...وأفضل أن أنام في ليلتي على صورته المتخيلة خشية أن أراه فأكتشف أنه رجل آخر سوى جدي!...وأخشى أن أفقد تلك اللذة المرتبطة بالتخيل وذلك الترقب والتساؤل: ترى كيف يبدو هذا الرجل؟ هل يداخله يوما أن فتاة ما خلف خصاص شباك ما مرتبطه بصوته من دون حتى أن تراه؟! وهكذا أبيت دون أن أعرف هيئة الرجل وفي الفجر التالي يحدث الشئ ذاته وفي كل ليلة أنام بالصورة التي أرتضيها على الصوت الذي أسمعه داعية الله ألا يموت هذا العابر الغريب قبل أن أطل من شباكي يوما عليه...ومين عارف؟ مش يمكن ساعتها تواتيني الشجاعة وأقول له: ادعيلي يا حاج؟! المهم جدو دة مش موضوعي...أنا بس بافكر انه واحد من الناس اللي بيصحوا بدري وبيتقيدوا بنظام معين...وهو الشئ الذي أعجز تماما عنه...في مرة بقى دعيت وسط مجموعة لمدة أسبوعين في الدانمارك في إطار برنامج لحوار الحضارات...والناس هناك الحقيقة محترمين...محترمين محترمين يعني...يقولوا المناقشات تبتدي 9 يبقى 9...وبعدين أنا ماكنتش رايحة أتفسح ولا أتعلم ولا أمثل نفسي...المفروض اني أمثل مجتمعي وثقافتي...يا دي الحوسة! طيب يبقى شكلنا ايه لما تروح علي نومة كل يوم؟! يعني مش يوم ولا اتنين...وماينفعش أروح أسوق المزاج على الناس يعني, وأقوللهم كما أقول عادة في هذه المواقف: عايزين تاخدوا مني شغل سيبوني أنام براحتي وأصحى براحتي وانتوا تاخدوا مني أحلى شغل الصلاة ع النبي! الحقيقة كانت معركة وأعترف أن أدائي لم يكن مشرفا أوي يعني...فكنت دوما آخر النائمين (سهر صباحي ولو لوحدي أتأمل أو أقرا) وآخر الصاحيين بطبيعة الحال (لازم حد من المنظمين ييجي يصحيني بنفسه!)...ولله في خلقه شؤون! المهم في يوم من الأيام الخمستاشر وأنا صاحية الصبح بعينين منتفختين والنعاس بعده يداعب عقلي وبادور على شوية لبن أحطهم على النسكافيه عشان أبتدي أفهم أنا مين وفين ومين الناس دي وإيه اللي جايبهم الدانمارك معايا, ويادوب أرش مية أدام المحل, هلت علي امرأة دانماركية أنيقة ولطيفة كدة (بعد ما شربت النسكافيه افتكرت أنها احدى القائمين على تنظيم البرنامج!) وقالتلي ايه, احنا عايزين نسمع صوت نسائي عربي...حنديكي الميكروفون لمدة 30 دقيقة قولي فيها اللي انت عايزاه...عبري عن نفسك...اتكلمي عن فكرة شاغلاكي...عن احساس بيراودك...أي حاجة تشاركي بيها زمايلك اللي جايين من دول مختلفة ...على أن يكون هذا بكرة الصبح الساعة 9 !!!...يا دي الورطة!! عايزاني الساعة 9 الصبح أكون صحيت وفقت وتعرفت على نفسي وعلى الآخرين وحددت مواقفي من الأشياء وأمسكت الميكروفون نص ساعة أتكلم فيها مش بوصفي فرد لأ بوصفي امرأة عربية...يعني كل كلمة أنا حاقولها (الساعة 9 الصبح ) حتبقى محسوبة على الأمة كلها؟؟!!! يا دي الوقعة اللي يعلم بيها ربنا! طب والعمل؟! كلمة في سرك مكانش دة التحدي الحقيقي...التحدي الحقيقي كان ان أنا عمري في حياتي ما حد اداني ميكروفون وقاللي اتكلمي براحتك! في كل مرة أمسكت فيها ميكروفون في حياتي سواء في التليفزيون أو الإذاعة أو الجامعة أو ندوة في مركز من مراكز الدراسات كان دايما بيبقى "الوقت داهمنا!"...ثم ان انا عمر ما حد قاللي قبل كدة أتكلم من غير ضوابط..دايما كان بيبقى فيه ضوابط وفيه مساحات غير مسموح بالخوض فيها لدوعي أمنية ولا دينية ولا حماية النسيج القومي ووحدة عنصري الأمة ولا سياسية ولا عشان منزعلش مننا شيخ الأزهر ولا عشان ما نخبطش في البابا شنودة ولا عشان فيه ناس متشددين حيقوموا يولعوا في أنا والميكروفون ولا غيره..دايما فيه سقف للمسموح في بلدنا...ما ينفعش كدة يا ست الكتكوتة...يعني ايه تديني حريتي الكاملة المتكاملة من غير ضوابط...لا من فضلك لازم يكون فيه رقابة! انت فاكراني جاية منين؟ انا من بلد مش واخدة ع البحبحة دي ...فوجدتني أسألها (بحذر) : أقول أي حاجة يعني أي حاجة؟قالت (بعدم فهم): أي حاجة؟- (بتشكك)من غير ضوابط؟- (بدهشة)من غير ضوابط!- (بعدم تصديق) يعني مش لازم أقول كلام أكاديمي متقعر عشان بتوع الأمن ما يفهموش ولو في أسوأ الأحوال فهموا أقول أنا عندي حصانة أكاديمية؟! - (بسخرية) لا مش لازم!- (بتسليم)خلاص انتو أحرار! وقد كان...في اليوم التالي صحوت مبكرة وقد نبت لي جناحان هما جناحا الحرية غير مصدقة أن لي أن أفعل هذا...اليوم سوف أمسك بالميكروفون لأقول ما أشتهي أن أقول...على طريقتي...بالألفاظ التي أختارها...في المساحات التي أحب... بدون خوف...بدون أن يداهمنا الوقت ...وسوف ينصت لي عشرات من ذوي الخلفيات والانتماءات المختلفة...وسيكون لي عليهم أن يستمعوا...سيكون لي عليهم سلطان الحدوتة الذي تمتعت به شهر زاد على مدار ليلات ألف وليلة على ملكها المتجبر...هل من نشوة تفوق هكذا نشوة؟صحوت في موعدي المحدد ,تأنقت وأخدت قهوتي الصباحية وتوجهت إلى القاعة برفقة حاسوبي المحمول الذي أحتفظ في ذاكرته بعدد من الألبومات الموسيقية التي جمعتها من بلدان مختلفة...وضعت حاسوبي وأدرت عليه مقطوعة يونانية ساحرة وبدأت أحكي قصة بافنوس الراهب العاشق وتاييس الغانية الفاتنة...هي قصة حوار بين اثنين من خلق الله يقفان كل على طرف من أطراف الحياة نقيض للآخر ...غانية عابثة فتنت الملوك والسلاطين فارتموا تحت قدميها البضتين, و راهب أخذ على عاتقه أن يهديها سبيل الرشاد...في القصة يدور بينهما حوار مستفز متحد للعقل والروح...وفي نهاية القصة يسقط الراهب في عشق الغانية في اللحظة التي تعتزل هي فيها غواية الرجال وتترهبن في دير...فيذهب وراءها قاطعا الصحراء القاسية محاولا إغواءها لتعود معه من الدير البعيد إلى الإسكندرية المدينة الساحرة العابثة حيث يتجرعان الحب, فتحدثه هي بلسان الرب قبل أن تصعد في لحظة روحها إلى السماء! ويبقى هو تائها بين عالمين لا هو يقدر على نسيانها والعودة إلى حياة الرهبنة ولا هي على قيد الحياة ليقنعها بالعودة إلى الخطيئة!قصة تقيلة على الساعة 9 الصبح صح؟! لكن حكيتها, والحضور استمتع بيها وصفقوا لها وهنأوني على اختياري وقد فهموا المغزى من القصة وفهموا ما أردت أن أقول لهم...فهموا أن الجهل "بالآخر" المختلف ربما يكون هو السبب الوحيد الذي يجعل الواحد منا يتمسك بمواقفه الحادة ضد هذا الآخر وأن بعضنا يتمسك بمواقفه في الحياة لا لشئ إلا لأنه من الجهل بحيث لا يعرف غيرها ولم تجربه الحياة بما يكفي ليختبر صلابة هذه المواقف فضلا عن صحتها ...وفي هذا عظة لقوم يتفكرون... أبهى ما كان في تجربتي هذي مع الميكروفون هو أن منحت حرية استثنائية في أن أقول ما شاء لي الهوى...والأجمل وأجمل بقى ...إن ربنا سترنا وصحيت على ميعاد المحاضرة!










استئنافا لحديث الحكاواتية , فقد لمست تخوفا باديا لدى بعض الزائرين الأفاضل ممن سابولي تعليقات على تدوينة "البقاء للأنصح" , وهو التخوف الذي تمثل في أنه إذا أرادت السماء للقانون الجديد إياه (فانون تنظيم البث) أن يدخل حيز التنفيذ (وأداة السماء لتنفيذ مشيئتها هنا هي مجلس الشعب!) فإن المجال لن يتسع أمام المدونين حتى للرمز والترميز وحكايات الحكاواتية( نهار ازرق!)...لذا فقد أعملت عقلي في هذه المعضلة العصية حتى تفتق ذهني عن هذا المشروع الذي أتقدم به لرفقاء التدوين للتصويت ثم للأجهزة المعنية للبت بعد النظر والدراسة- سدد الله خطاهم ووفقهم لما فيه خير الرعية-:على كل صاحب مدونة مشاغبة عارف ان جهاز الرقابة الجديد حيقفل مدونته أن يقفلها هو بنفسه بالذوق والتي هي أحسن ومن غير شوشرة, على أن يكون متعينا على وزارة الاتصالات في المقابل أن تصرف لكل مدون قفل مدونته بالذوق ربابة (بواقع ربابة لكل مدون)عوضا عن المدونة (وهي بذلك تكون قد وصلت لمأربها بالغلوشة ع التدوين وفي نفس ذات الوقت تجنبت ما قد يحدث من انتفاضات تدوينية أوأحداث شغب إلكترونية, وكذلك الانتقادات الأمريكية وتقارير الهيومان رايتس ووتش, بينما يطلع كل مدون فينا بربابة ودكة!...صفقة ترضي جميع الأطراف في ظني! )وبإطلاق هذا المشروع ستكون مصر الدولة التي دشنت نوعا جديدا من التدوين الذي من هنا ورايح حياخد شكل حكايات أبو زيد الهلالي على الربابة (اللهم كن في عون السميعة وهئ لهم من أمرهم حسنا!) بمعنى إن كل مدون فيكو أول ما تجيله فكرة مدونة جديدة أو يقع على خبر سقع بدل ما يجري ع الكيبورد, حيقوم يسلك صوته و يمسك الربابة بتاعته ويجري على أقرب قهوة ولا مصطبة لبيتهم ويبدأ في سرد التدوينة بشرطين: أولا : أن يلجأ المدون للرمز, ثانيا :أن تكون التدوينات بلغة قدامى الحكاواتية (لمزيد من المعلومات حول "الصياغة" الأدبية و"الصياعة" الرمزية في تداول حكايات قدامى الحكواتية يرجى مراجعة السيرة الهلالية بتاعت عبد الرحمن الأبنودي التي سنطالب وزارة الاتصالات بالتعاون مع وزارة الداخلية بإعادة طبعها وتوزيعها على المدونين اللي حتتقفل مدوناتهم تباعا ,بحيث يكون مع كل ربابة نسخة من السيرة الهلالية ...أظن يعني مالكوش حجة!) ولو النسخ اللي حتتطبعها الجهات المعنية ماكفتش فلا داعي للقلق. فالموضوع يا سادة -وأنا أوجه حديثي للسادة المدونين اللي حتتقفل مدوناتهم إن شاء الله بعد تمرير القانون ومش حيكون قدامهم غير الربابة والدكة- الموضوع مش صعب ...يعني في الغالب بداية الموال حتكون شئ من قبيل "بعد الصلاة والسلام و مديح سيد الأنام قال الراوي يا سادة يا كرام... "ويقوم المدون من حضراتكو راقع التدوينة الجديدة! صعبة؟ أبدا ولا الهوا! كذلك فإن نفس الناس اللي كانت بتبعتلك تعليقات على المدونة بتاعتك حيكونوا معاك برضه ع الدكة أو القهوة اللي بتدون فيها( أقصد يعني اللي حترقع فيها موالك ع الربابة)...وبعد ما تخلص الموال أو السيرة (للمدونين الرغايين) من حقك تبقى تفسح المجال للإخوة المعلقين (دة طبعا لو لم يكونوا قد بلغوا فرار بفعل صوتك النشاز !) انهم يعلقوا برضه...والمعلق اللي يقول تعليق مش عاجبك يكون لك كل الحق في أن تغزه برقبة أقرب قزازة في محيطك بنفس البساطة والسلاسة التي كنت تضغط بها بالظبط!...يعني العملية حتكون هي نفسها دون زيادة أو نقصان وبنفس السلاسة...أنا مش فاهمة المدونين متوترين ليه؟!!وأنا من هنا من أمام شاشة اللابتوب بتاعي أطرح المشروع على السادة المدونين قبل أن نرفعه إلى الجهات المسئولة في حال تمرير القانون في البرلمان و أؤكد بعد دراسة معمقة للفكرة أنه سيكون لها فوائد جمة أقلها أن توصل جيل المدونات بتراثهم الشعبي, كما أن هذا التدوين "الرباباوي" سيكون من شأنه أن يرفع من مستوى لغة التدوين ويستدعي من ذاكرتنا الشعبية ألفاظا أصيلة كدنا ننساها مثل "ملحمة" و"بطل" و "شرف الطاهرة" و "فارس العرب", كما سيحد من استخدام ألفاظ استهلاكية على شاكلة "قشطة" و" لوز" و "عنب"...والأهم من ذلك أنه سيظل أمام المدون مننا مساحة ينتقد فيها ما لا يرضيه بحرية دون أن تتبع الشرطة الإلكترونية الآي بي بتاعه(إلا إذا وزعوا علينا ربابات مزودة بـآيبيهات !!ساعتها يكون لكل حادث حديث)...وأخيرا فإني أذكرك عزيزي المدون أنه في حال حصل كبسة على القهوة واتعكشت حضرتك متلبسا بفقع موال على الربابة فيه شبهة التحريض على قلب نظام الحكم أو تكدير الصفو العام أو ما شابه, فلا تنس القاعدة الذهبية للتدوين في حلته الجديدة :الجري نص الجدعنة!) ملحق (1) على جميع المدونين الالتزام بحد أقصى من السميعة لا يزيد عددهم عن خمسة أفراد عشان قانون الطوارئ!ملحق (2):في حال عدم استجابة وزارة الاتصالات للاقتراح على جميع المدونين الانخراط في تكوين جبهة أقترح أن يطلق عليها الجبهة الشعبية للربابة, وفي مرحلة لاحقة ربما نحتاج إلى إطلاق المبادرة المصرية لحماية المنشدين !!








"القانون الذي وضعوا مشروعه المبدئي، ويستعدون لإقراره في البرلمان مع بدء دورته الجديدة، هو الأخطر بين ترسانة القوانين والإجراءات المقيدة للحريات العامة، ويكفي أن نعرف...أنه ينص علي إنشاء جهاز للرقابة علي مضمون ومحتوي جميع وسائل البث «المحطات التليفزيونية والإذاعات ومواقع الإنترنت بما فيها الفيس بوك»" (مجدي الجلاد-المصري اليوم: 9-7-2008)... طب إيه؟ دة أنا لسة يا دوب بادية تدوين؟! طب يستنوا أما أربعن!!! شفتوا بقى؟ قلتلكو قبل كدة قد إيه مهمة الحدوتة الرمزية...حكاية الحكواتي الخايف من البطش...حكاية الربابة المشاغبة اللي قدرت دايما تتسرب غصب عن عين الغواشم لعقول الناس وأعصابهم وتترسب في وجدانهم الجمعي...قلنا ولا ماقلناش؟ أدينا حنلف نلف ونرجع لحكايات الحكواتية من تاني...عارفين ليه؟ عشان البقاء للأنصح!!!**الصورة من مدونة تجربة لحظة عبثية اسمها إيه دي بتقوللي:هي الروايات اللي بتقريها دي هي اللي أفسدت عليكي حياتك...دي مضيعة للوقت ولحسة للدماغ ولا منك بتتعلمي حاجة تنفعك ولا منك بتقضي الوقت في إرضاء ربنا ولا الإنتاج حتى عشان تنفعي الناس اللي حواليكي!وأنا قلت وباقول وحاقول تاني...يا جماعة أنا مش عارفة أسيطر على دماغي...دماغي مستقلة عني!... ولا أنا قادرة أسترخي ولا أدرب دماغي على التفكير الممنهج ولا عارفة أستهدى بالله ولا شايفة ان قراية الروايات مضيعة للوقت ولحسة للدماغ!...وبعدين ازاي وليه؟ ليه أريلاكس وليه أدرب عقلي على التفكير العلمي المنتظم وإزاي أنتج وأنتج إيه أصلا؟!وبعدين إيه المشكلة اني أسيب دماغي حرة كدة...تايهة في ملكوت ربنا أتفرج واسأل نفسي وآخد وأدي مع روحي كدة في الكلام؟...تفكير ممنهج إيه ودرجات علمية ايه اللي احنا بنجري وراها دي واحنا جهلة...مش احنا اللي هو انا وانت وهي.. لأ...دي الأمة كلها –صلاة النبي أحسن- غرقانة في الجهل و الضلمة...و أنا بصراحة مش حاسة إني أقدر أعمل حاجة ولا أغير حاجة...حاسة اني تعبت من طول ما حاربت مع دماغي عشان أفكر بشكل ممنهج (ألا هو ايه التفكير الممنهج دة بالمناسبة يعني؟!!!!).يمكن يكون الوقت جه عشان أعترف بانهزامي أمام قوى الشرود التي تسيطر على عقلي...أمام الإحساس بالجهل والخواء واللايقين والخوف من مواجهة الاسئلة المسكوت عنها.. أمام السؤال الملح: أنا إيه؟!أكره أن أبث مشاعر سلبية في الهواء أو أن أسربها لعقول من حولي.. ودة على فكرة جزء كبير من معركتي مع نفسي ...بس خلاص دماغي طحنتني وحاسة بالإرهاق... جه الوقت اللي أعترف فيه بأني بأمر بلحظة فيها معنى الحياة نفسها ملتبس عليَ واني مش عارفة أنا هنا ليه ولا بأعمل ايه ولا مطلوب مني إيه...أو يمكن جه الوقت اللي لازم فيه أطلب مساعدة جادة...طب مين؟ طبيب نفساني مثلا؟ ماعتقدش انه حيقدر يساعدني كتير لأنه في الاول وفي الاخر مجرد إنسان زيي ولو إنسان طبيعي يبقى المفترض يكون عنده نفس مشاعري ومخاوفي وأسئلتي, الفرق الوحيد بيني وبينه غالبا انه لا يسمح للأسئلة أن تفسد حياته لأن في رقبته كوم لحم ومعندوش رفاهية السقوط في فخ الأسئلة الأنطولوجية والطلاسم الوجودية التي لا تنفع حين يأتي ميعاد سداد الفواتير الشهرية!...أعتقد ان أكتر حد ممكن يساعدني في التخلص من الأفكار العبثية اللي مسيطرة علي دي( أو على الاقل في التعايش معاها) هو إنسان على نفس الدرجة من الإحساس بالعبثية! إنسان مضطرب يعني...وهنا تتجلى عبقرية فكرة العلاج النفسي الجماعي الذي- بحسب علمي- هو غير موجود على خارطة العلاج النفسي في بلادنا...حقيقي مش حاسة اني باطلب حاجة كبيرة...كل اللي محتاجاه شوية وقت مع نفسي...أقرا قراية غير منتظمة وأفكر تفكير غير ممنهج...محتاجة أكون لوحدي مع الأسئلة اللي فعلا شاغلاني مش مع الأسئلة اللي بيفرضها على الواقع ولقمة العيش والموعد النهائي لتسليم رسالة الماجيستير. محتاجة شوية وقت أعيد فيه التعرف على نفسي ...الأول كفرد ثم كجزء من مجموع...هو دة كتير أوي؟










"النقطة الأهم يا سيدي...تتعلق بمكانة العقل في مقابل المعرفة اللدنية...لك أن تعرف يا سيدي أنه مرت علي أيام خضت فيها حوارات من ذلك النوع بيني وبينك (ديني- سياسي) في إطار عملي ونشاطي التطوعي, و أنه كثيرا ما انهزم عقلي أيما هزيمة, فكنت أبيت محدثة نفسي بالأسئلة ...ثم أطلق عقلي دون قيد أو شرط يذهب كل مذهب...ثم قبل أن أغلق عيني مستسلمة لسلطان النوم أقولها: رب...لقد أطلقت هذا العقل الذي أعطيتنيه والذي تعلم كم يرهقني, فذهب تحت بصرك وأنت البصير, كل مذهب لكن إن أمتني الليلة, فأمتني على الشهادتين...فللعقل , يا سيدي, ألعابه التي قد تشقينا إن أطلقنا لها العنان, وأنا على ذلك من الشاهدين! وللقلب كذلك ألعابه وأحكامه..وسبحان الله في خلقه! لكن في لحظة ما يأتيك -وما تدري من أين يأتي -الإيمان الغيبي, وتأتي تلك الذائقة الفطرية وذلك الانشراح الخفي الذي يداخلك حين تنصت إلى تلاوة القرآن الحلوة وذكرى قصص الأنبياء التي حكتها أمهاتنا وجداتنا لنا في الطفولة البعيدة, يأتي هذا كله لتجد نفسك مؤمنا برغم كيد "العاقلين"...ولك كذلك أن تعلم يا سيدي أن خلفية دراستي علمانية, فيما كانت تربيتي مشبعة بالمكون الإسلامي, وعقلي وقلبي يسيران في الحياة سويا متحاورين, يلتقيان أحيانا ويختلفان أحيانا أخرى, فيكون البحث والتساؤل وتحصيل المعرفة والرجوع لمن سبقوني في المجئ إلى دنيا الله الفسيحة ويكون الاحتياج للحوار, كذلك الذي بيننا...أي أن حواري معك يسير متوازيا مع حوار آخر تشهده جبهتي الداخلية وهما بالمناسبة قريبا الشبه جدا ببعضهما البعض...وأنا أحب حواري الداخلي وأغذيه وأغذي طرفيه(عقلي وقلبي) ما استطعت إلى ذلك سبيلا...!و إن كنت لا أخفيك سرا أني أكفرأحيانا بالحوار!أحس أنه لا طائل من ورائه, وأن الكلمة تستمد قوتها في عالم اليوم من قوة المدرعة التي تحملها على ظهرها! وأحيانا حدثتني نفسي بالسخرية من أفكار أراها في أوقاتي الرائقة, أراها رائعة مثل المقاومة بالموسيقى والرواية وقصيدة الشعر...وأحيانا أخرى تحدثني بأن أهجر هذا الفضاء المتعلق بالحوار والثقافة والأديان هجرا جميلا لصالح أشياء أنفع وأقل التباسا, غير أني لم أجد بعد هذه الأشياء !!"










آه يا صديقتي المجنونة! كم يعجبني ذلك الفخر بداخلك بأنك تخوضين مغامرة الأنوثة! مغامرة كونك امرأة ...لقد بدأت أنا الأخرى مؤخرا فقط أحس حلاوة أن خلقني الله امرأة...أذكر عبارة قرأتها في مكان ما تقول فيها الكاتبة إن النساء تجلسن على لغز الحياة في حين تعلمن أنه لا لغز هنالك ولا شئ!!!لم أعد أعبأ كثيرا بأن أبدو أنيقة أو أن أتصرف بلياقة كما ينبغي لامرأة صغيرة أن تفعل...يمكن للمرأة دوما أن تكون مشاغبة عالية الصوت تماما كما عهدتيني! أليس كذلك؟ عن أخباري...لم يتم قبول أوراقي في الجامعة الألمانية للالتحاق ببرنامج الدكتوراة الذي أخبرتك عنه في مكتوبي الفائت...ولا أخفيك سرا أن هذا الرفض -على ما سببه لي من إحباط -منحني تلك الحرية الخاصة جدا...حرية اليأس...على الأقل فقد انعتقت من اللهاث وراء الأوراق المطلوبة والأختام التي لا تنتهي وخطابات التوصية التي تكومت في أدراجي...انعتقت من الجري وراء مواعيد مكاتب البريد وانتظار خطاب الجامعة الذي لا يأتي...أتيح لي على الأقل أن أصحب جرائدي بهدوء إلى مقهاي القاهري المفضل لأتصفحها بتلذذ مع قهوتي ونرجيلتي من دون كثير تفكير في المواعيد النهائية وخطة الدراسة العبقرية و طلبات التمويل والمنح المالية والمقابلات الشخصية...انعتقت من انتظاري للحظة التي أحتسي فيها قهوة كابوتشينو فاخرة من الحجم الكبير في إحدى مقاهي أوروبا الأنيقة, وانعتقت من تكديسي أعدادا من جريدتي المفضلة أخبار الأدب على أمل أني سأقرؤها في في عطلة نهاية الأسبوع في بلد آخر بعيد حيث تصمت الشوارع بعد السابعة مساء فيداخلني هدوء نادر مختلط بحنين عنيد لعيون القاهرة التي لا تنام...لكني يا صديقتي المجنونة كما عرفت ما حرية اليأس فإني أعرف جيدا ما عبودية الرجاء...وأعرف أني لن ألبث أن أعود لدوائر اللهاث وفوبيا ال"يا ترى يا بكرة مخبيلنا إيه؟!" إذا كان يوجد شئ كهذا!! إنه ذلك الخوف من أن آتي منتصف العمر فأنظر ورائي لأجد لا شئ...لا شئ على الإطلاق...على الأقل لا شئ جدير بأن أدخل النصف الثاني من هذا العمر لأجله...وما أكثر من يعيشون هذه المفارقة من حولي يا صديقتي...قرأت في الصحف أن الطلاب في غزة من الذين حصلوا على منح للدراسة بالخارج منعوا من السفر خارج غزة بقرار سلطات الاحتلال...يا للمصير!...ياللسجن الكبير الكبير بحجم وطن الذين يعيشون فيه...الفكرة في ذاتها تصيبني بضيق في التنفس...ولو كنت في مكان أحد منهم كنت أفقد صوابي...أيكون بيني وبين حلم استكمال دراستي ختم لعين بيد عدوي الألعن؟...ألا لعنة الله على الأختام وتأشيرات المرور وجوازات السفر والمعابر المغلقة والمفتوحة على حد السواء!عن أخبارك...أسعدتني أخبارك يا فتاة...مبارك عملك مع مفوضية غوث اللاجئين...كيف وجعهم اللاجئون في تركيا يا صديقتي؟ أمن العراق أكثرهم؟ أم من أفريقيا؟ كيف تقضين أيامك تخرجين هكذا من وجع إلى وجع ومن حكاية لاجئ إلى حكاية نازح ومن قصة اغتراب إلى قصة ضياع؟اعملي إذن ما وسعك العمل يا صديقتي لكن رجاء لا تفقدي وجهك...لا تدعيه يضيع في الألم ولا تسمحي له أن يتيبس باللامبالاة... ما بالك لا تميلين للفتى ذي الـ 35 سنة هذا؟ أحبيه! بالله أحبيه... أو على الأقل دعيه يحبك...أراه لطيفا في حكاياك ولست أدري سر تمنعك...ألأنه يتحدث كثيرا؟ ممل؟ لكنه يبدو لي من حكاياتك رفيقا رحيما في طبعه...أحبيه يا صديقتي...لأجل خاطري! ابذلي ما في وسعك لتحبيه! العالم هذا أقسى من أن يجود برجل رحيم لذات المرأة مرتين!كلما كبرنا في العمر أدركنا الأمور بصورة أكثر تعقدا...يعني أنا مثلا مؤخرا أدركت أن كل من حولي مختلون في عقولهم معتلون في نفوسهم بدرجة أو بأخرى !!والله! وبهذا أدركت أني كبرت! من ناحية لأني أدركت اختلال عقولهم واعتلال نفوسهم...ومن ناحية أخرى لأني ملكت من الشجاعة ما يسمح لي بالحكم عليهم بل ومعاملتهم على أساس الحكم الذي أصدرته هذا...كفانا تسامحا مع مرض نفوس الناس من حولنا حتى وصل حد التمييع والتفريط...ألا ترين أننا فعلا تسامحنا بما يكفي مع مرضى نفوس وعقول بدعوى التحضر أو التسامح مع "الآخر" المختلف؟ ألا بعدا لمرضهم و تسامحنا!أمازلت تذكرين قصيدة الماغوط التي ترجمتها لك من العربية للإنجليزية وقت كنا في أيرلندا؟ دموعي زرقاءمن كثرة ما نظرت إلى السماء وبكيتدموعي صفراءمن طول ما حلمت بالسنابل الذهبية وبكيتفليهب القادة إلى الحروبوالعشاق إلى الغاباتوالعلماء إلى المختبراتأما أنافسأبحث عن مسبحة و كرسي عتيقلأعود كما كنتحاجبا قديما على بابا الحزنما دامت كل الكتب والدساتير والأديانتؤكد أنني لن أموتإلا جائعا أو سجيناكاتبيني...وأخبريني أنت الأخرى عن دموعك وما إذا كانت زرقاء كدموع الماغوط أم ما لونها...بإخلاص,صديقتك المصرية الأكثر جنونا!








منذ أيام وأنا مرابطة في حجرتي المبعثرة كحجرة طفل لا أكاد أبارحها...وبرغم نزلة البرد الشديدة التي أعانيها فإني أقيم في حجرتي في كل ليلة مهراجانا ثقافيا لا يحضره سواي! أقرأ مقالة من هنا وأشاهد فيلما من هناك أو أنصت لأغنية قديمة افتقدتها... والليلة كان أجندة أعمال مهرجان "حجرتي" المكركبة عامرة بالهموم والهواجس...وإن لم تخل من الضحك العالي...على أجندة الليلة كان لدي:البند الأول: حوار جدلي مثير دار بين كاتبتين على موقع الأوان كان موضوعه شهرزاد وإن كانت رمز للمرأة المقهورة التي ينبغي نبذها والتحرر من قالبها, أي قالب الدهاء النسائي في مقابل التجبر الرجولي الذكوري, أم أنها نموذج يحتذي في التعامل مع نفسية معتلة هي نفسية الملك المتجبر والخروج بها من النفق المظلم؟ الحوار فعلا مثير للذهن خاصة وقد طافت بذهني صور الكاتبتين وقد احتقنت هذه غضبا واستشاطت الأخرى سخطا غير أن أدب الحوار يمنعهما من التراشق بالبذاءات! وإن كنت لا أستبعد أنه إذا استمرت المكاتبات بينهما أطول من هذا فإنهما ولابد متراشقتان على الأقل بالألفاظ الحادة!موضوع شهر زاذ لا يخلو من رفاهية فكرية حتى إن الواحد منا قد يتساءل: وهي يعني بلادنا في لحظات الهم اللي بالمكيال دي بحاجة حقا إلى هكذا مماحكات فكرية وفلسفية؟؟ ...لأ يا جماعة لأ...كل مشروع حضاري لابد له من قوائم فكرية قد تبدو في لحظات معينة عبثية أو خارجة عن النص أو من قبيل الترف لكن أهميتها قد تتضح في لحظة تاريخية متأخرة...وبعدين أنا شايفة إن الكلام دة مهم إذا كان اختيارنا هو أن نقوم بحالة مراجعة مفاهيمية ثقافية معمقة كي نبدأ عملية تأصيل مفاهيمي على نضافة! وعشان نؤصل على نضافة يبقى لازم نقف وقفة ليس فقط مع مدركاتنا الواعية بل وحتى مع لاوعينا الثقافي كجماعة بشرية قديمة بقى لها قرون المفروض بتفرز أفكار ذات خصوصية ما...ولما نؤصل نظريا على نضافة نقوم نراكم حضاريا على مية بيضا! يبقى لما تلاقي اثنتين من النسوة في المدينة تتعاركان كلتاهما على شهر زاد وما تمثله في الوجدان الجمعي العربي وعن التجليات الإيروتيكية في حكايات ألف ليلة ليلة وما بها من إهانة لكينونة المرأة ابقى سيبهم يتكلموا براحتهم...خلاص؟ البند الثاني على أجندة مهرجان حجرتي الليلة كان مقال فكهي منشور كذلك على موقع الأوان...يا نهاااااار...دة أنا ضحكت ضحك! المقال اسمه "أرجح الأقوال في حكم كشف الفخذ للرجال" بقلم مختار الخلفاوي... والمقال يتناول بالتقريع المبطن والسخرية اللاذعة أوي أوي دراسة لفتى غلبان لا به ولا عليه من طلبة الدراسات العليا في الحرم المكي الشريف...الواد يا حبة عيني شهد جدلا في إحدى الجلسات موضوعه عورة الرجل وإذا كان الفخذ عورة ولا مش عورة فأخذته الجلالة وقرر أن يتبحر في الموضوع وما أعرفش قضى كام سنة من عمره يدرس إلى أن خلص إلى أن " الساق ليست عورة بإجماع، وأنّ الفخذ مختلف فيه. غير أنّه ذهب إلى أنّ القول الراجح هو الجمع بين القوليْن، وذلك بأن نقول إنّ العورة قسمان، عورة مخفّفة وهي الفخذان، وعورة مثقلة وهي السوءتان. وأجاز، من ثمّة، كشف المخفّفة " ! ويختم الكاتب مقاله الساخر بقفلة مسخرة إذ يقول: "لقد جاء هذا البحث متأخّرا بعض الشيء، إذ لو دخلنا به ألفيّة أهل الكتاب الثالثة لكان حالنا أفضل، ولكن أن يأتي متأخّرا خير من أن لا يأتي. فليت الجامعات العربيّة تحتذي نهج معهد الحرم المكّي الشريف في التركيز على القضايا الصحيحة والإشكاليّات الحارقة"!! فكرني بمقال رأته منذ سنوات لزكي نجيب محمود موضوعه هو بيضة الفيل واختلاف علماء الأمة حول هيئة بيضة الفيل إذا كان له أن يبيض! طب ولو باض هل أكلها حلال للمسلم أم حرام!! والله ضحكني الكاتب الله يسعده ورجعني لمقال زكي نجيب محمود اللي كنت نسيته... لكني أقول للكاتب: يا سيدي رفقا بالفتى وليكن شفيعه لديك إخلاصه النية وإن كنت أعلم أنه ليس بإخلاص النية تتخلص الأمم من مبتلياتها... لكن الواد يا نني عيني فتح عينه على الحياة لقى الشغل الشاغل للخلق من حواليه هو عورة الرجل! طب يعمل إيه؟! يسيب الشغل الشاغل للأمة ويكتب في الفلسفة مثلا؟ طب إيه قولك بقى إن الفلسفة أصلا حرام؟!!! وحتى لو كانت الفلسفة حلال فإن البحث في شواغل الأمة (من قبيل موضوع عورة الرجل وما شاكلها) يصبح من باب أولى فرض كفاية! يا سبحان الله! أهه اللي عمله الكاتب في المقالة دي هو عين ما يسميه د. أحمد عبد الله كلما اختلفنا في مناقشة واحتددت أنا واحتقن هو-ما يسميه بإزاحة العدوان! يعني الكاتب صب قرفه من تخلف الأمة كلها على شخص الزبون الغلبان دة اللي مسمي نفسه في مقدمة الدراسة بـ"الباحث"... وأنا كمان بأعمل الشئ ذاته..بأزيح غضبي على الفريسة الأسهل ...بس نعمل إيه يا دكتور؟؟ ما هي حاجة تعل! البند الثالث على أجندة المهرجان كان أن أعدت قراءة مسرحية براكسا أو مشكلة الحكم بتاعت توفيق الحكيم...ياااااه...منذ زمن لم أقرأ هذه المسرحية حتى تصورت أني نسيتها...آخر مرة قرأتها كنت في المدرسة الثانوية وكنت أعد نفسي لأذاء دور براكسا (الملكة ) على خشبة المسرح المدرسي:)...ولعلكم تعرفون كيف كانت نظرة الحكيم للمرأة...نظرة يعلم بيها ربنا! هي كائن جميل وكفى! دة إن كان جميلا كمان! براكسا في المسرحية كانت امرأة جميلة و طموح أرادت أن تصل لحكم أثينا فحرضت جاراتها ولبسن ملابس أزواجهن ثم ذهبن إلى مجلس الشيوخ وصوتن لفكرة أن يعهد بحكم أثينا للنساء! ولما كان حكم مجلس الشيوخ في أثينا ديموقراطي بحق ربنا ولما مثلت النساء المتخفيات الأغلبية المطلوية لتمرير القرار فقد عهد فعلا للنساء بتولي الحكم...وظفرت براكسا بالعرش...بس طبعا خربتها وقعدت على تلها عشان عمنا توفيق الحكيم الله يرحمه كان عايز كدة! الحوار في المسرحية في منتهى الجمال...وهو أساسا يدور بين ثلاثة أطراف: براكسا التي تمثل العاطفة أو الرحمة هي الأكثر رعونة, والفيلسوف الذي يمثل الحكمة وهو الأكثر سخرية وصبرا وتسليما بالأمر الواقع فلا الانقلابات تهزه ولا السجن يخيفه...وأخيرا رئيس الأركان...أقصد يعني قائد الجيش وهذا يمثل القوة الغاشمة والكبرياء الأعمى...والحوار بين الثلاثة يدعوك عبر انحناءات الأحداث إلى الحرية وتمكين الأمة من أمر نفسها دون خديعة أو تضليل أو استحفاف...بينما أقرأ الحوار كنت أسترجع مبتسمة أدائي لهذا المقطع أو ذاك متابعة توجيهات المخرج الوسيم اللي كان بيقود العمل...وأدركت ساعتها كيف كان إدراكي للأمور وقتها بسيطا نسبيا وكيف لم تكن المسرحية بالنسبة لي وقتها أكثر من حدوتة مسلية تجري في حتة بعيييييييدة اسمها أثينا فلا تمت لواقعنا بصلة...لم أكن أدرك وقتها أن شعوب الأرض تتلاقي في ذات المساحات...تماما كما تتلاقى طواغيتها... البند الرابع كان على خلفية محاكمة الضالعين في تفجيرات سبتمبر...شوفوا...برغم انها محاكمة عسكرية وأنها لا يمكن تكون عادلة بحال طالما أن القاضي هو نفسه المدعي والجلاد, لكني لم أعدم رؤية نصف مليئ في كوب الماء القراح هذا...ايه هو النصف الملئ؟ أنا أقولكم...الناس يتساءلون: اشمعنى معتقل جوانتانامو اللي الناس فيه بيتجننوا؟ طب ما احنا عندنا أحدث تقنيات النفخ والتفييش والناس بتطلع وتستمر الحياة ومازال النيل يجري...ايه بقى فيه ايه؟ والحقيقة أن ما يذهب بعقول السجناء هناك -كما ورد في تحليلات المتخصصين- ليس الإيذاء البدني ولا حتى المعنوي بل إنها حالة الانتظار اللا منتهية التي تزج بهم في حالة من العدمية والعبثية لا يكون للعقل معها وظيفة...فراغ...أنت معلق في الفراغ لسنوات ست أو سبع...لا تعرف أصلا ما تهمتك ولا أنت تقدم للمحاكمة ولا أنت يخلَى سبيلك ولا أنت تعرف ما مصيرك...أيام طويييييييلة شبه بعض إرادة العقل والبدن معا فيها مسلوبة...طبعا تفقد المعنى وتتجنن...أقل واجب يعني! لقد تحدثت إلى ثلاثة أشخاص تعرضوا للاعتقال في مرحلة من حياتهم...واحد منهم قال: كدت أفقد عقلي وما عصمني من الجنون إلا الانخراط في حالة حوار مع نظرائي من المعتقلين...والتاني حكى لي كيف أنه تعلم أن يحيا في السجن بلا مستقبل ولا مشاريع كبيرة وأن مشروعه الوحيد الذي جعل لبكرة معنى مختلفا عن النهاردة كان كتابة مذكراته سرا على بقايا أوراق مسربة...الثالث قال: الإيمان...الإيمان بالله ثم بالقضية هو ما يعصم من الضياع في تلك التجربة...فلتكن المحاكمة كما تكون...على الأقل آن لهؤلاء أن يظلموا في ظروف ربما يبدو الظلم فيها ترفا طمحوا إليه في ليل السجن الطويل! على خلفية هذه الأفكار وجدت نفسي أراجع موقع الجزيرة الفضائية لأطالع صفحة أدب السجون من جديد..رفوف كاملة في أروقة المكتبة العربية الكلاسكية والحديثة يمكن أن تمتلئ بهذا الأدب الكابوسي الأسود من قلب الكافر* وهكذا كا ترون- أعزكم الله- فإن مهرجان "حجرتي" قد اتسم بصفتين أساسيتين: أولا كونه مهرجانا "استهلاكيا" يعني أنا لا أكاد أنتج فيه حاجة ولا وهم يحزنون بل إني أتغذى على ما أنتجه الآخرون! وثانيا أنه في الأول طلب صهللة وفي الآخر قلب بغم! *عذرا إذا كان في التشبيه إيذاء لمشاعر أحد!










لما الخلاف احتدم بين خليفة بغداد و الوزير قالوا الخلايق في الأسواق والحواري: واحنا مالنا؟!المهم لقمة عيشنا! ولما بغداد ولعت بالفساد والمؤامرات والدسايس, قالوا الخلايق في الأسواق والحواري: واحنا مالنا؟! المهم لقمة عيشنا! ولما العسكر انبدر في شوارع بغداد يتصنت عالعباد ويلقط الكلمة والهمسة, قالوا الخلايق في الأسواق والحواري: شششششششششششش! واحنا مالنا؟ المهم لقمة عيشنا !ولما الأزمة اشتدت في البلاط, انتشر الكساد وزاد الفساد و جشع التجار واحتكار اللقمة, اتمررت عيشة الخلايق اللي فرغت بيوتها من خزين الطحين ولو ليومين ...زينة الصبايا باعت جسمها عشان اللقمة, والجدع الزين اتعلم يمد ايده يسرق من سيده اللي أواه وكساه وستره... والست اللي شبابها انقضى في الفقر وسنانها سقطت في الفقر وشعرها شاب في الفقر ماتت م الجوع على راس حارتها... والعيال الصغار بكوا لما بكاهم قطع حتى قلوب العسكر الجبابرة...لكن الخلايق ظلت تقول: واحنا مالنا؟ برضه حالنا أحسن من حال غيرنا! لكن جابر المملوك في بلاط الوزير كان غيرالخلايق دي كلها...شاب فيه فتوة وذكاوة...مملوك طموح..هو صحيح مايهموش الخليفة ولا الوزير ولا حتى بغداد اللي ولعت بالخلاف بين الاتنين...لكن يهمه طموحه...تهمه اللقمة الحلوة المغموسة في العسل والسمسم, والوجاهة وسط المماليك...وفوق الكل تهمه زمردة الجارية الشقية الغضة البضة في بلاط الوزير! لما عرف جابر المملوك بالنزاع بين الخليفة وسيده الوزير قرر يحشر مناخيره! مش لولائه لسيده الوزير.. ولا لمعارضته مع خليفة البلاد... ولا لأنه خايف على بغداد... ولا لأن القلب حن على حال العباد... لكن لأنه قرر يعمل أي حاجة لسيده الوزير مقابل الدنانير... والجارية الشهية... عرف المملوك الذكي ان الوزير عايز يمرر رسالة خارج بغداد...رسالة لحلفائه من الأمراء في بلاد العجم ..يطلب منهم انهم ينهوا أزمته مع الخليفة ويخلعوه عن العرش بقوة الجيش...وليهم ما شاءوا من إمارات... لكن ازاي يمرر الوزير رسالته الخطيرة وعسكر الخليفة مطوقين القصر والمدينة كما السلسلة حوالين الرقبة؟ ازي؟ ازاي؟ ازاي؟ على باب القصر المملوك بيلح في طلب مقابلة سيده الوزير...سيده الوزير بيوافق برغم الغضب والانشغال...المملوك جابر بذكاوة بيمسك اللحظة ويحط نفسه وافكاره الألمعية بين ايدين سيده... -ياسيدي الوزير أنا أمرر الرسالة -كيف يا مملوك ؟ والعسكر والبوابات والجنازير والبصاصين والعسس على رؤوس الحارات؟ -جابر خدام سيده الوزير عنده الوسيلة اللي ما تنكشف أبدا, بس لو يعطيه سيده الأمان -أفلح إن صدق...ليك الأمان يا مملوك...انطق -ولو نفذت يكون لي أطمع في كرم مولاي الوزير؟ -ليك اللي تريد يا مملوك...بس انطق -تعطيني أكياس الذهب؟ -أعطيك... - وترفعني وسط مماليك القصر؟ -رفعناك...اتكلم بقى لأقطع لسانك! - وتعطيني زمردة الشهية (بنظرة هائمة)؟ -ولو ما نفذتش حاقطع رقبتك! واقترح المملوك خطته الجهنمية على سيده الوزير...اقترح عليه يستدعي حلاقه الخاص, عشان يحلق راس المملوك ويخليها أنعم من خد الصبية...وعليها يكتب الوزير رسالته بالحبر اللي ما ينمحي...وبعدها يعزل المملوك أيام ويصطبر عليه لما ينبت شعره على الرسالة...وبكدة مهما يتفتش على الأبواب لا يمكن يظن الحرس على بوابات المدينة إن المملوك بيخفي شئ بين جلده وشعره! وبكدة توصل الرسالة من دون مخاطر للأمر... الوزير اندهش من المملوك ومفهوميته...ونفذ الخطة...استدعى الحلاق اللي حلق شعر المملوط جابر لحد ما بقت راسه تلمع كما المراية...وابتدا يكتب الوزير رسالته على راس المملوك... ثم عزل الوزير المملوك أيام في حجرة عتمة تحت القصر ما يعرف الطريق اليها الا الحرس المخصوص والوزير نفسه...وكل يوم يدخل الوزير يمس راس المملوك ويقدر فاضل قد ايه وينبت الشعر كما كان لاجل ما يغطي الرسالة الخطيرة...وجابر المملوك ما يصبره على العتمة الا طيف الجارية وعطرها في أنفه وحلم ببكرة أحسن...إيه يعني لما تقوم الحرب؟وإيه يعني لما يوصل رسالة تستعدي الأمرا على الخليفة؟ وإيه يعني لما يكون سبب في سقوط بغداد؟ كل دة مش مهم...المهم الجارية والعيشة الناعمة...المهم حلمه هو...حلم أكبر من الخليفة والوزير والأمرا والحرب وجوع العباد...حلم أكبر من بغداد... ونبت شعر المملوك...وخد حصانه وزوادته وأحلامه وجري على بلاد العجم حيث الأمرا حلفاء الوزير...عدا الأسوار والبوابات والبصاصين والعسس اللي خيالهم ما صور لهم انه بين جلد المملوك وشعره رسالة حتخلي طبول الحرب تدق...لما وصل المملوك قال لأمير الأمرا في بلاد العجم: الرسالة على راسي خطيرة...غامرت براسي...بحياتي...بروحي...لكن كله يهون عشان بغداد!!!! -عشان بغداد يا مملوك (على بابا؟!)؟؟؟ -عشان بغداد يا مولاي!!!! وكان كما اللي كان في قصر الوزير في بغداد...الحلاق والموس وحلاقة تمام لراس المملوك...بعد ما ظهرت الرسالة وقراها أمير الأمرا نادى سيافه وقال: خد المملوك...فسحه...نياهاهاها! ولقى المملوك جابر نفسه متشال هيلة بيلة لتحت القصر...ممرات عتمة وزنانزين عتمة...جابر يسأل السياف: "طب انت واخدني فين؟ انا عايز ارجع لبغداد على جناح يمامة...زمردة مستنياني...العز مستنيني! آه لو تعرف قد إيه أنا مشتاق أرجع"...والسياف صامت صمت الجدران اللي ما ليها ودان! وبضربه واحدة من سيفه فصل السياف رأس المملوك جابر عن جسمه!! ومات جابر من غير ما يعرف إن سيده الوزير كتب على راسه في آخر الرسالة بعد ما طلب المدد وفتح بغداد "ولكي يظل الأمر سرا بيننا اقتل حامل الرسالة بلا إطالة"!! **عرض ملخص جدا لمسرحية رأس المملوك جابر-سعد الله ونوس...اللي ماقراهاش لاااااازم يقراها:)








طول عمري بأحس إحساس خاص تجاه علم الاقتصاد! وطول عمري أقدر بتوع الاقتصاد و أقول اللي يفهم اقتصاد دة يبقى برنس! الاقتصاد دة أصله علم مفتاحي يقدر يغير كتير بس عايز دماغ نضيفة وعيال مصحصحة...نظريات ومؤسسات وبنوك وإشي صندوق النقد وإشي منظمة التجارة دة غير بقى الرسومات البيانية ...آي! الرسومات البيانية... أخدت مني راقات الرسومات البيانية دي! أهه محسوبتكو بقى كانت تشوف الـ graph من هنا وتضرب لخمة من هنا! منحنيات طالعة ومنحنيات نازلة وأرقام وخطوط متقاطعة...يا دين النبي! والله بتوع الاقتصاد دول برنسااااات...! أنا فاكرة واحد من السادة الخبرا الاقتصاديين المصريين اللي بيشاركوا في مفاوضات الشراكة الأورومتوسطية- المسار الاقتصادي- حضرتله محاضرة قال فيها إن المفاوضين المصريين عيال ولاد عفاريت في التفاوض في المسائل الاقتصادية وإن مفاوضي الاتحاد الأوروبي بيحملوا هم المفاوضين المصريين! لأ وإيه غالبا بيمشولهم اللي هم عايزينه! وقال إن مصر بالذات عشان العنصر البشري المناكف بتاعها دة (اللي هم المفاوضين بتوعها) من أكتر دول جنوب المتوسط استفادة من الشراكة مع الاتحاد الأوروبي... وبيني وبينكو أنا لما بافكر بالاقي إنه مافيش محاضرة اقتصاد ولا مؤتمر اقتصادي حضرته في كلية اقتصاد جامعة القاهرة من سنة 1998 لحد دلوقتي, ولا حوار تلفزيوني طلع فيه خبرا اقتصاديين مصريين إلا وكانوا بيقولوا كلام واعر أوي ومنسق أوي ومنمق أوي ومستف أوي! كلهم سبقلهم شاركوا في مفاوضات ماراثونية شرسة مع الكتلة الاقتصادية الفلانية ولا التجمع الاقتصادي العلاني دة غير المؤتمرات الدولية, و تلاقيهم كلهم عارفين كل حاجة وفاهمين كل حاجة وبيرسموا كل المنحنيات البيانية اللي بافهمها بالتيلة وبيشرحوا عليها كل النظريات الشديدة بتاعت الاقتصاد من أيام ما فحتوا البحر لحد دلوقتي! وتلاقيهم كلهم حافظين تاريخ مصر الاقتصادي وعارفين تفاصيل سياسات محمد علي الزراعية والصناعية وعارفين تأثير ثورة يوليو على الهيكل الطبقي في مصر وبيعرفوا يتكلمو حلو أوي عن تأثير سياسات الانفتاح على الاقتصاد المصري وعن معدلات الفقر في بلدنا وتأثيرها على المرأة بوصفها من الفئات الهشة في المجتمع.... وياسلام بقى لو موضوع العولمة اتفتح واديله بقى دول الشمال ودول الجنوب والدول الثماني الصناعية الكبرى وعصر الإقليمية و التجمعات الاقتصادية والأسواق المفتوحة والمنافسة التجارية والنمور الآسيوية ! خد في دة بقى أحلى كلام!... الحقيقة يعني ان كل الشواهد بتقول إن عندنا عيال حريفة اقتصاد...عشان كدة تلاقيني بقى مش عارفة أنام الليل! وأفضل أسأل في روحي وفي اللي حوالي: طب حالنا مايل ليه؟ دة أنا أينما وجهت وجهي ثمَ خبير اقتصادي مصري بيحكي ازاي شارك في المفاوضات دية ولا دكهة وازاي نجح في أن يجيب لمصر الديب من ديله, بينما أجد آخر بيحلف أيمانات المسلمين تلاتة إنه حذر أكتر من مرة القائمين على صناعة القرار من تداعيات القرار الاقتصادي الفلاني ولا العلاني بعدما أجرى ما يلزم من دراسات حول الموضوع...وتلاقي دراسات عن الفقر وثقافة الفقر وعن الفساد وثقافة الفساد وآثار الفساد على الاقتصاد والعباد وإشي اقتصاد سياسي على اقتصاد تاريخي على اقتصاد إسلامي...مولد! وكل ما أسمع ولا أقرا بأندهش...وكل يوم أندهش أكتر من اللي قبله...وكل يوم تزيد الدهشة...أصحى مندهشة وأنام مندهشة وأقضي يومي وأنا مندهشة وأقرا الجرنال وأنا في قمة الدهشة... الله! طب إيه طيب؟ ما احنا زي الفل أهه وعندنا عيال أبالسة اقتصاد هارشين اللعبة كلها ...أمال ليه حالنا ما بينصلحش بس يا ناس؟!








مفاجأة حلوة حملها لي بريدي الليلة إذ استلمت مكتوبا قصيرا ودودا من المفكر والكاتب الجزائري حميد زناز (مدرس الفلسفة بجامعة الجزائر ومقيم بفرنسا منذ عام 1993) تعليقا على تدوينتي "من دفتر زائرة لموقع الأوان" وهي التدوينة التي نشرها موقع الأوان الأسبوع الفائت...في تدوينتي أشرت لكتابات السيد زناز باعتبارها نموذجا للكتابات العربية العقلانية اللادينية التي تشكك في ثوابت الفكر العربي الإسلامي, بخاصة في شقه السياسي, وعبرت فيها عن تشكك قارئ متخيل وصفته بأنه "إسلامي مستنير" إزاء مقالات السيد زناز وتردده -القارئ-في التعاطي الإيجابي مع ما ورد بها من أفكار. بل إني وصلت- بهذا القارئ المتخيل- حد وصف موقف الكاتب من مسألة التكفير والموقف الفقهي الكلاسيكي منها (الذي يقوم في الغالب على الحديث النبوي" من بدل دينه فاقتلوه")- وصفته بالمماحكة والمجادلة إما بغير علم أو بغرض النيل من الموقف الإسلامي من مسألة "الغيرية"... كما اتهمت في مقالتي- على لسان القارئ المتخيل- السيد زناز بإسكات صوت الحق والتحيز الأعمى للحضارة الغربية وذلك على خلفية مقالة كتبها متناولا فيها بالتشكيك موقف ميشيل فوكو المحتفي من الثورة الإسلامية في إيران أو "الخومينية" على حد الاصطلاح الذي استخدمه الكاتب. و إن كانت أفكار قارئي المتخيل قد تقاطعت مع بعض أفكار السيد زناز خاصة فيما يتعلق بنقطة تجديد الخطاب الديني الإسلامي شبه المتحجر... ولما كان "لساني طويل" هكذا, فقد أدهشني حقا أن كتب لي السيد زنازالليلة محتفيا بمقالتي شاكرا إياي على إشارتي لكتاباته في معرض مقالتي وبأن أثرت حوارا ما ولو في دائرة محدودة حول أفكاره والموقف الذي قد يقفه منها قارئ متخيل محسوب على التيار الإسلامي...فشكرا سيد حميد زناز على سعة صدرك, والحقيقة يعني أنك أحرجتني بمكتوبك الودود هذا!... وإن كان قارئي المتخيل لا يزال عند موقفه من كتاباتك! و منكم يا سيدي نتعلم آداب الاختلاف.








كنت نازلة جري...متأخرة كعادتي, فأنا دوما بلا منازع امرأة اللحظات الأخيرة! شربت قهوتي على الواقف أمام قناة الجزيرة وعيناي مشتتان بين صور دموية مخيفة تعرضها القناة وبين الشجرة التي تطل عليها نافذة حجرة الجلوس... لن آخذ سيارة أجرة اليوم, بل سوف "أخشوشن" اليوم وأقضيها مواصلات عامة وبهدلة ...فكما كانت تقول لي الأستاذة فاطمة مدرسة الجغرافيا في مدرستي الثانوية "التنعم لا يدوم"...حاضر يا أبلة فاطمة.

في المترو, جلست إلى جواري امرأة شابة تلبس ملابس ريفية...وجهها جميل وهادئ, سألتني وهي تغطي شطر وجهها بطرف الشال الذي تضعه على رأسها و بصوت ناعم فيه حياء ولكنة جنوبية لم أكد أفهمها "نازلة رمسيس؟" نطقت رمسيس بياء ممطوطة فبدت لي الكلمة غريبة...ركزت شوية عشان أفهم ثم قلت: "لأ...نازلة قبل كدة"...ثم بتلقائية أشرت لها إلى اللافتة الملصقة فوق الباب والتي تحمل أسماء المحطات مرتبة بمعنى أن تابعي سير المترو وقارنيه باللافتة حتى تصلي لمحطتك المنشودة... ثم صمت غارقة في أفكاري وهي الأخرى صمتت...بعد شوية سألتني تاني: "يعني مش نازلة رمسيييس؟!"...وبعدين بقى؟! آآآآآه...ربما هي لا تقرأ أصلا! كيف لم أفكر في هذا؟ وكأني نسيت أن القراءة مهارة مكتسبة فإن لم تجد من يلقنك إياها فإنك قد تحيا الحياة كلها دون أن تثقل وعيك بها على الإطلاق! سألتها وقد التفت لخطئي:- بتعرفي تعدي؟ قالت نعما مترددة, فقلت لها: -عدي بعد ما أنزل أربع محطات وانزلي الخامسة...سكتت برهة كانت كافية لأن أشرد من جديد في حواري الداخلي غير المتناهي قبل أن توقظني مرة أخرى بصوت ناعم: "جاية من جنا (قنا) "دل" وحارجع "دل"॥" !॥يعني إيه بقى؟!! سألتها:- يعني إيه "دل"؟! فضحكت وهي تداري ضحكتها بالشال حياء وقالت "يعني جاية أسأل ويدلوني وحارجع أسأل ويدلوني"!! آآآآآآآآآآه! فهمت! ثم أضافت: - طول عمري أمشي في كنف راجل أمشي وراه من غير ما أسأل... ولا أعرف آجي ولا روح من غير راجل...دي أول مرة آجي مصر لوحدي...- توهة صح؟قالت بنظرة امرأة مجهدة قليلة الحيلة: - آي والله توهة... ثم سألتني: - عندك عويلات؟ - يعني إيه عويلات؟!!! -عويلات صغار يعني! -آآآآآه أطفال يعني؟ لا ما عنديش! - يجعل وشي عليكي وش الرزج والفرحة। في هذه اللحظة أدركت أني استغرقتني المرأة الشابة بلكنتها الجنوبية المطلسمة وملابسها الريفية الكثيرة متداخلة الألوان ودعائها الحلو حتى فاتتني محطتي! وهكذا تأخرت على تأخري لأظل محتفظة بمكانتي كامرأة اللحظات الأخيرة! بينما أهم بالنزول ملقية عليها "السلام عليكو...خلي بالك من نفسك" لم يكن يشغلني تأخري بقدر ما شغلني حديثي القصير مع الريفية السمراء... كيف كان أن طلبت منها قراءة اللافتة فوق باب المترو كأنها ولابد تعرف كيف تقرأ؟ كيف نسيت أني أعيش في بلد معدلات الأمية فيه تزيد على 40% معظمهم من النساء؟! كيف ننسى في غمرة حياة المدينة اليومية الرمادية هذي أن هناك أناسا على بعد ساعات منا يحيون حيوات مختلفة جدا عن حياتنا...حيوات مختلفة بقواعد مختلفة ومخاوف مختلفة ولكنات مختلفة؟ حيوات حيث أناس -ربما- لا "يفكون الخط" وبالكاد يعرفون الأرقام ويخشون أبواب المترو الكهربية المنزلقة التي لم يعتادوا رؤيتها, وحيث النسوة تخفين وجوههن في الضحك حياء ولا تعرفن ما تفعلن من دون رجال؟!...كيف أنسى وأدع حياتي تستغرقني حتى أتصور أنها الحياة الوحيدة وأن معطياتها وصراعاتها ونزواتها وانتكاساتها هي الممكن الوحيد؟!










...أن سبب تأخير وصول القطارات هو انتحار شاب تحت عجلات القطار في محطة "مبارك"...ومن جهة أخرى، ذكرت مواقع مصرية أن شابا آخر حاول الانتحار في نفس اليوم عندما ألقى بنفسه أمام قضبان محطة مترو ثكنات المعادي بالخط الأول، إلا أن سائق القطار توقف قبل وصوله المحطة.ويأتي حادث انتحار الخميس بعد يوم من انتحار مواطن آخر شنقا في محافظة أسيوط جنوب مصر؛ بعد معاناته لفترة طويلة من تراكم الديون عليه، بحسب صحيفة "المصري اليوم"."زمااااااااان كانوا المستشرقين ومن نحا نحوهم بيقولو إيه؟ بيقولو إن من فضائل بلاد الشرق(الأدنى والأقصى) على بلاد الغرب أن قطع أناس الشرق مسافات طويلة على درب الازدهار الروحي -واخدلي بالك- والاطمئنان النفسي والدفء الإنساني, ذلك أن الشرق اهتم - عبر العصور-بالروح التي تسكن الجسد الفاني, فعمل على إشعالها أبدا كجذوة نار- لا تخمد -في أروقة المعابد الضخمة والكنائس الضخمة والمساجد الضخمة, ولأن الشرق وبلاد الشرق ومن يسكنون بلاد الشرق يؤمنون بأن وراء العالم عالم, وبأن "للبيت رب يحميه" في حين يغرق الغرب في عالم ضيق تخنقه المادة!! وامتدادا للكلام دة تلاقي بقى بتوع علم النفس الحديث يقولولك إيه حاجات من قبيل: إن الروحانية التي تتسم بها المجتمعات في الشرق والنزوع إلى التواصل الإنساني فضلا عن الحرص على روح الجماعة( في مقابل الإفراط في الفردانية وإيثار الانعزالية في المجتمعات الغربية) كلها عوامل ساعدت على تقلص معدلات الانتحار في دول الشرق مقارنة بارتفاعها الكبير نسبيا في بعض الدول الأوروبية مثل الدول الاسكندنافية التي تعد من أغني دول العالم وكدة! وكان د. عادل صادق الله يرحمه (بتاع علم نفس) بيقول: أنا ورد علي حالات اكتئاب في عيادتي كثيرة جدا على مدار سنوات عملي في هذا المجال وأستطيع أن أجزم من خلال خبرتي العملية التي امتدت عقود في التعامل مع المرض النفسي أن الفقر في ذاته لا يولد الاكتئاب..ولا وراء السقوط في بئر الاكتئاب إلا افتقاد الحب وذبول الروح... طب إيه يا دكتور؟ إيه قولك بقى لما يبقى افتقاد حب وذبول روح وفقدان إحساس بالأمان وزحمة مواصلات وفضائيات الـ "مش حتقدر تغمض عينيك" وفساد وأكل مسرطن وبلطجة وناس لا سامعة بعض ولا راحمة بعض وفوق دة ودة فقر لا تتأبطه ثقافة الاستغنااااااء ولا عفة النفس؟ إيه قولك في الحالة دي؟! فيه أمل يا دكتور؟! طب عادل صادق مات -الله يرحمه -ومش حيرد علي, ممكن بقى اخواننا بتوع التعبئة والإحصاء- شالله يتهنوا- يعملولنا دراسة ميدانية عدلة كدة يقولونا فيها معدلات الانتحار في بلدنا وصلت لإيه وإيه أهم أسبابها ومين أكتر شرائح اللي بتقبل على التجربة دي في مجتمع معروف عنه من قديم الأزل أنه مجتمع متدين يؤمن أغلبه بأن الانتحار خطيئة وكفران؟ ولا يا ترى لم يصل الأمر في تصورهم بعد لحد الظاهرة ولا إبه؟


يا صديقي ارحل لا ترحل!إني امرأة حلوة...إني أحفظ ألف قصيدة...لكن...كل قوافيها حزانى!وكل الألفاظ في كل الأبيات ضعيفة!دعك من شعري إذن والقوافي...ألا إن الشعر غواية والشعراء غاوون!لكن لا ترحل... فإني أعرف ألف حكاية...لكن...كل نهاياتها كئيبة!وكل نسائها تموت بالداء العضال...وكل رجالها يخونون أوطانهم أو يفقدون عقولهم!لا عليك من حكاياتي...فلتمت -لأجل عينيك- الليلة كل شهرزاد تقمصتها يوما...فقط لا ترحل! فإني أعرف كيف أحيك...وأعرف كيف أطرز الوسائد البيضاءوالستائر البيضاءوالمفارش البيضاءبأزهار من خيوط ملونةحمراء وزرقاء وصفراءلكن...بعض أزهاري شوهاء!لأني لست امرأة صبور...وفي نفاد الصبرأمزع الخيوط الملونةو أغرز الإبر الحادة في مساند المقاعد الخاوية الصماء!لا بأس...دعك من الستائر والمفارش والوسائدوحديث المساند والمقاعدوالصبر النافد...و لا ترحل! أغني؟ !لست أغني...فصوتي مبحوح منذ زمانلكثرة ما رجوت أحبائي في انتحاب ألا يرحلوا عني...وما لك وما لنحيبي والرجاء؟ألا بعدا للنحيب والرجاء والغناء كما بعد الأحباء!انتظر... لا ترحل!انظر...إن أقراطي حلوةومساحيق وجهي ألوانها حلوةو زيوت شعري رائحتها حلوةوعطوري حلوةوخلاخيلي الفضية الرنانة حلوةأنا فقط أهملتهم لأني شردت عن كل الأشياء!فأنا يا صديقي امرأة مريضة بالشرود المزمن...وأنا لا أكاد أتقن شيئا في دنيا الله أكثر من القوافي الحزينةوالحكايا الكئيبةوالأزهار الشوهاءوبحة الصوت في الرجاءوداء الشرود المزمن...وبعض زينة النساء!يا صديقي ارحل...أنا لست امرأة حلوة.

My archive restored







حين التفت إلى أن العالم بالأمس احتفل بعيد الهالوين, تلك الليلة التي يعتقد أن الأرواح العاصية والقلقة وأرواح السحرة الشريرين تعود فيها من البرزخ لتعم العالم حتى مطلع الفجر, فكرت أننا في بلادنا لدينا ما يكفي من الأرواح الشريرة وحكايا الرعب على مدار أيام السنة بحيث تنتفي خصوصية يوم الهالويين عندنا! أنا مثلا ارتعبت واشمئز قلبي حين سمعت بأمر الطالب الذي قتله مدرسه ضربا في الإسكندرية قبل أيام...وهل تخيف حكايات السحرة الذين يحتسون دماء الأطفال ممزوجة بطحين عظام الموتى أكثر مما تخيف قصة طفل الإسكندرية؟ وارتعبت من جديد حين قرأت أن منظمة العمل الدولية قدرت أن الأزمة المالية لم ترنا الأسوأ بعد, وتتوقع أن ترتفع نسبة البطالة وأن يفقد الملايين حول العالم وظائفهم بنهاية العام الجاري (يعني خلال شهرين...كل واحد يخلي باله من لغاليغه بقى!) أوليست هذه التقديرات أخوف من كل الهياكل العظمية المتحركة في العالم؟!وارتعبت حين انفتح من جديد ملف وفاء قسطنطين منذرا بكارثة, واغتممت وأنا أقرأ بعض تفاصيل حياتها وأتخيل لحظات الألم والحيرة التي قد تكون مرت عليها ثقيلة الوطأة, وأنسج في عقلي تخيلات لشكل حواراتها الداخلية وأرسم في الفضاء دوائر ارتباكها ووحدتها وموجات فزعها في مواجهة غضبة لم تعرف هدوءا منذ سنوات...هذه المرأة التي لا أدري ما في صدرها ولا يعنيني في شئ ما تؤمن به ولا ما في دخيلتها, فسبحان الله الذي يعلم السر وأخفى من السر, أدعو الله لها أن يكون السلام عارفا طريقه إليها. أوليست هذه الحكاية نصف المكشوفة نصف الغامضة نصف المفهومة نصف المنتهية أكثر إرعابا من اليقطينة المرعبة ذات الثقوب (اللي هي في الصورة فوق دي) والتي تزين مداخل المنازل في الغرب لتذكر الناس بأن العالم واقع لليلة كاملة تحت سيطرة ساحرات شريرات تطرن في الهواء على مكانس خشبية (أي مقشات!)؟! وفي كل مرة أقرأ فيها عن حادثة تعذيب في أروقة مؤسسات بلادي الأمنية أموت في جلدي رعبا و تتلبسني روح ولية مكسورة وأجدني أقول بتلقائية "النبي يا رب يا حنين ما تكتبها على غالي ولا حبيب!"...هي حوادث في تصوري لا تباريها حتى أكثر حكايات الجنيات والمسوخ وأبو رجل مسلوخة جموحا.بقى بالذمة... أولسنا في بلادنا نشهد في كل سنة ألف هالوين وهالوين؟!








برغم الإحباط والإجهاد والخوف من الألم المختبئ في الأيام القادمة...إنه الخريف!الخريف... حيث أتوازن مع الكون أكثر من أي وقت آخر...يقولون إننا نتوازن مع الكون أكثر ما نتوازن في الأيام الأقرب ليوم ولدنا وأنا ولدت في الشتاء ومهما يكن ما يقولون وبغض النظر عن مدى علمية المعلومة, فأنا يبدأ توازني مع نفسي والكون مع الخريف! أنا أعرف نفسي أكثر من الكل!أتسلل إلى المطبخ في مكان عملي, أقف أمام النافذة آكل وأحتسي الشاي الأخضر شاردة وأنا أتأمل تلك اللبلابة التي تتسلق النافذة بصبر مدهش ومن ورائها تبدو الأغطية المنشّرة على أحبال الغسيل في الشرفة المقابلة..."كوفرتات" ملونة ومزركشة, غسلت على ما يبدو استعدادا لأن تخزن وتحل محلها أغطية أخرى أكثر دفئا... إنها طقوس البيت المصري التي لا تتغير!أتذكر صديقا أفغانيا إذ قال لي بعربية متكسرة قبل سنوات "أنا مش عايز حاجة كتير من الدنيا...عارفة...أنا بس عايز أرجع بلدي وأقعد هناك شارد...مش عايز حضارة ولا شهادات...عايز بس أرجع بلدي حتى وسط الخراب والألغام والناس الجهلا, وأكون لوحدي شارد كدة وبس!"أختزن حديثه هذا إلى هذه اللحظة...حديث فهمته اليوم أكثر ما فهمته أمام نافذة المطبخ الصغيرة حيث تركت عقلي نهبة للشرود زاهدة في كل الأشياء إلا رائحة الخريف.في كل لحظة يجري من حولي أمر أفكر أنه جدير بأن أدون عنه كلمة أو كلمتين, سطرا أو سطرين...ولا يمنعني إلا لهاث الحياة اليومية في قاهرة لا ترحم...كتلك الحلقة التي سجلتها قناة الجزيرة مع جمال الغيطاني فقال فيها ما قال عن مصر المملوكية وعن المسافر خانة التي احترقت أعصابه أسفا عليها لمّا احترقت...أردت ليلتها أن أدون شيئا عن الغيطاني...لكن مكتبي الصغير الذي تتراكم فوقه أوراقي أنذرني بأن التدوين يعني المزيد من التأخير في عملي فمشيت إلى مكتبي مستسلمة أعمل حتى انتهت الليلة وما فرغت من عملي!في ليلة أخرى وجدتني أفكر في أحداث فيلم شوكولا وفي الأجواء الساحرة التي دارت فيها أحداثه...والفيلم- لمن لا يعرف- يحكي قصة امرأة تطبخ الشيكولاتة الشهية المحشوة بالتوابل والمكسرات والفواكه و تؤمن بأن لكل شخصية مفتاحا من الشيكولاته بشرط أن تتختار له نوع الشيكولاتة الذي يتناسب مع طبيعته ومزاجه فتتسلل إلى دخيلته تسللا حلوا شهيا...تفتتح السيدة محلا للشيكولاتة في بلدة فرنسية مسيحية محافظة في وقت الصيام الكبير فتشتبك بذلك في معركة مع كنيسة البلدة ممثلة في الأب الكاهن راعي الكنيسة وتسير الأحداث نحو قدرة المرأة على تغيير المزاج العام للقرية وتحدى تدينها وتقاليدها الجامدة من دون سلاح سوى الشيكولاتة! لحظة راودتني صور الفيلم كنت أقرأ أوراقا عن حقوق الإنسان والنسبية الثقافية وعن المابعد حداثة و




:" إن تفكيك المرويات ذات الطابع الشمولي يعتبر خطوة حتمية في سعى حركة مابعد الحداثة الى رفض الثقافة الغربية الليبرالية"! هكذا يقول باحث متحمس!...ولسبب ما وجدت عقلي ينسج رابطا ما بين فيلم شوكولا وبين كلام الباحث المتحمس على تقعره! أوليست الشوكولا في الفيلم تشبه حركة حقوق الإنسان الكونية بكل ما لها من جاذبية وبريق وكذلك كل ما هي موصومة به من كولونيالية جديدة واستعمارية فكرية وتسرب إلى أعصاب الثقافات المحلية وخلخلة أبنيتها التقليدية؟ أوليس هذا هو "الكلام الكبير" الذي يقال في دوائرنا الأكاديمية والثقافية بلغة متقعرة عن الحرب الثقافية الكونية والذي قدمه فيلم شوكولا في قالب ساحر؟ فكرت أن أكتب شيئا ما ليلتها عن "الشيكولاتة وحقوق الإنسان" وانفتحت شهيتي للفكرة...لكن من جديد...كان علي أن أخلد للنوم مبكرا قدر استطاعتي حتى أبدأ في اليوم التالي مسيرة اللهاث اليومي! في ليلة أخرى اشتطت غضبا وأنا أنصت إلى النشرة, والمذيعة الأنيقة تقول بوجه محايد : العراق أكبر مستورد لمواد البناء في العالم, ليس لتدعيم عملية إعادة الإعمار ولكن من أجل تقطيع أوصال مدن العراق بجدر خراسانية ضخمة أشبه بالجدار العازل في الأراضي المحتلة للسيطرة على الإرهابيين, الأمر الذي كان من نتائجه قطع الطريق بين المواطنين ومحال أرزاقهم!بعدها بأيام عرضت الجزيرة فيلما وثائقيا عن الهجرة غير الشرعية وما يلاقيه المهاجرون من عذابات في رحلتهم, ومن بينهم عراقي تقطعت السبل بينه وبين محل رزقه فقرر هجرة بلاده وفيها زوجته وصغاره, وكل أمله أن يترك وشأنه كي يلحق بأحد أقاربه الذي يملك محل فول وطعمية في فرنسا...هذا هو الحلم كل الحلم! محل الفول والطعمية...محل فول وطعمية في فرنسا يذهب إليه مرورا بأصقاع أوكرانيا سيرا على القدمين أو معبئا في ماسورة أو صندوق قمامة! لا يهم! المهم أن يصل إلى حلمه...محل الفول والطعمية! تماما كرجال غسان كنفاني في روايته السوداوية "رجال في الشمس"...رجاله الذين ماتوا مختنقين في صهريج حديدي مخصص لنقل الزيت على ظهر شاحنة بينما يهربهم مهرب مخضرم ذو باع في عمليات تهريب المتسلليلن عبر الحدود البرية من فلسطين إلى العراق و منها إلى الكويت من أجل لقمة العيش العصية.ألا لعنة الله على الجدر العازلة ومواد البناء ومستورديها و مصدريها في يوم واحد!يومها أردت فقط أن أسجل على مدونتي "بصقة" كبيرة بحجم تدوينة من القطع الكبير! لكن كان علي أن أكون في محل عملي خلال نصف ساعة! لا وقت للبصق إذن! بعبارة أخرى "مش عارف أتــُف"!في أمسية أخرى وجدت في بريدي شيئا ما عن إطلاق حركة "عوانس من أجل التغيير"...صفقت و"اتطنطت" من أجل هؤلاء "العوانس" اللائي يسعدني أن أنضم إليهن –على الأقل إلى أن يقضي الله أمرا!- واللاتي قلنها بصوت عال: لم نتزوج حتى الآن ببساطة لأننا لم نتزوج وليس في الأمر وصمة ولسنا مضطرات للاعتذار للأهل والأقارب عم لم نقترفه في حق أحد بل اقترفه المجتمع في حقنا...ليست نهاية العالم أن نحيا من دون رجال! ملعوبة يا بنات :))الطريف أني اكتشفت ساعتها وببعض البحث على الإنترنت أن لفظة spinster وهي المرادف الإنجليزي لكلمة عانس ظلت هي الأخرى و لفترة طويلة في أوروبا وصمة ومعيرة برغم أن اللفظة ذاتها بريئة إذ تعني "المرأة التي تغزل" وكانت الفتاة التي يفوتها قطار الزواج وتظل في "أرابيز أمها" تغزل وتنسج الكنزات الصوفية في بيتها لتتمكن من الإنفاق على نفسها...لفظة بدأت بريئة لكنها لم تظل كما بدأت أبدا!في تلك الأمسية أردت أن أضع على مدونتي "سأفة"/(تصفيقة) كبيرة لمن "جرؤن" وأسسن الحركة...لكني تذكرت أن الموعد النهائي لتسليم "الشغل" يحين في صباح اليوم التالي وأني علي أن أحجّم إحساسي بالإثارة عشان أركز وأشوف أكل عيشي! لا وقت للتصفيق كما البصق!أما بالأمس فكنت أتحدث إلى فتاة "جامعية" من أولئك الذين لا ينجح التعليم الجامعي غالبا في أن يغير شيئا في عقولهم وهي ممن "يملكون الحقيقة المطلقة"...كان الحديث عن الإسلام والمسيحية وحقوق الإنسان...كل الاتهامات والدفوعات والأطروحات والأطروحات المضادة والكلام الكبير اللي من النوع دة...وصاحبتنا هذه لا تجادل...فقط تحسم الأموربأسلوب تعليمي استفزازي على طريقة "اسمعي مني أنا...أنا عارفة أنا بأقول إيه كويس...الدين حاجة وحقوق الإنسان حاجة...لما تتكلمي عن حقوق الإنسان ما تجيبيش سيرة لا الإسلام ولا المسيحية!" وكأنما تخشى من أن يلوث الدين حركة حقوق الإنسان أو أن يتلوث بها! تقولها طاعنة في شرعية المناقشة من الأصل وفي حق أي من الموجودين في أن "يقترف خطيئة" التفكير في العلاقة بين الدين وحقوق الإنسان!يا بنتي طيب دي مناقشة دايرة في الدنيا كلها...العالم كله بيقول حاجة ساقعة حاجة ساقعة! ودي أبدا...اللي طالع عليها "مافيش علاقة..مافيش علاقة...الكلمتين دول مش لازم يوردوا سوا في جملة واحدة!" نهار اسود! طب اقنعيني طيب...قولي حاجة مفيدة...قولي معلومة قولي أطروحة قولي مثال قولي نظرية قولي فكرة...قولي أي حاجة غير "أنا عارفة أنا باقول إيه" المستفزة بتاعتك دي! وانتهى النقاش الذي لم يبتدئ أصلا بأن احتددت عليها وأسكتها بعدوانية...غصب عني والله! وكيف يمكنك أن تتعامل بدم بارد مع أمثال هؤلاء المجادلين الذي يتظاهرون بالعلم قبل أن يفتضح أمرهم وتكتشف أنهم جهلاء خاوون أكثر خواء من فقاقيع الهواء التي -على الأقل- تمتلئ بالهواء(!) لا هم يعرفون ولا هم يعترفون أبدا بأنهم لا يعرفون!تركتها غاضبة أشتهي الكتابة وتستعصي عليّ لشدة ما كنت غاضبة!بالأمس أيضا وبعد أن تخلصت من تأثير حوار الطرشان مع صاحبتنا "حاملة الحقيقة المطلقة" هذي , قررت أن أغازل مدونتي قليلا, لكني توقفت لوهلة أمام مقالة متميزة على موقع البديل عن تلك القروية الصعيدية التي قاتلت الذئب والأخرى التي قتلت السلعوة بالمنجل...كاتبة المقالة تشير عرضا إلى نسبة النساء المعيلات في صر وكأنها تتساءل ضمنا "هو ياختي الرجالة جرالها إيه؟!" أو "خدنا إيه من الرجالة يغر حلاقة الدقن!" ...قرأت المقالة وقلت في نفسي: الست خدت الكلام من على طرف لساني...خلاص نكتب في يوم تاني بقى!بعدها بساعات علمت من صديقتي العاقلة الراسية بأمر قتيلة المترو, تلك الشابة التي قتلت سحلا اتحت عجلات المترو بسبب الإهمال واشتطت غضبا من جديد وقلت: لأ لازم أكتب وأردح بالبلدي كمان! ثم ذكرت نفسي بأن المصري لا أرخص منه وبأن "ردحي بالبلدي ولا بالشامي حتى" لن يغير من الأمر شيئا.. إنه الإحباط وقد نجح في التسلل إلى نفسي ...صح؟ثم جاء صباح اليوم...جاء أقل ضغطا من الأيام الأخرى... في الصباح وبينما أحتسي قهوة ما قبل اللهاث أمام الجزيرة لمحت شطرا من برنامج يوثق لجهود امرأة ألمانية تشاطر نسوة الصحراء السورية جفاف حياتهن الصحراوية, تعلمهن الأشغال اليدوية وتساعدهن على تسويق ما ينتجن في أسواق أوروبا والعالم العربي حتى لا يهجرن الصحراء بحثا عن بريق حياة المدن فتزداد الصحراء تصحرا وتوحشا...رأيتها ,المرأة البيضاء البضة, تحارب الصحراء بثبات... حربا ابتدأت خوضها قبل سنين. رأيتها وسمعتها تتحدث بلهجة شامية صحراوية لا تتناسب مع عينيها الزرقاوين وشاهدت السوريات الصحراويات يتحدثن أمام كامير الجزيرة بحياء ممزوج بقوة وهن يروين كيف اختلفت حياتهن وحياة أسرهن بأن أصبحن منتجات وتعلمن كيف يتحلين بروح الجماعة وينمين مجتمعهن لا بتمويل الأجانب وإنما بما عملت أيديهن وكيف يحفظن مجتمعهن البدوي من أن تفض بكارته سيرة المدينة وأطماع المدينة ...فقلت في نفسي "طب ما في حاجات ماشية صح في الدنيا أهو! أمال أنا محبطة ليه؟!" وابتسمت راضية.في العمل, أمر على بريدي فأجد مكتوبا من صديقي وزميل دراستي,الفتى الشيوعي الوسيم إذ يقول ببساطة تدهشني إنه مصاب بهلاوس بصرية تجعله يرى رؤوس الناس منفصلة عن أجسادهم أحيانا وإنه يحارب هلاوسه البصرية ليل نهار على أمل أن تفارقه في يوم ما قريب!ثم يختم مكتوبه بملحوظة سعيدة "أزمة النظام الرأسمالي العالمي تبهجني! اهتمي بنفسك...قبلاتي"هكذا ببساطة يشوه وعيي و يومي في سطور بقصته المخيفة عن الرؤوس المنفصلة عن الأجساد ثم يرسل لي قبلاته! هكذا يحاكيني عن هلاوسه البصرية التي لا تفارقه وهو يعرف أني أجزع حتى من الهلاوس التي لا تزورني إلا في نومي وأني أصحو منها باحثة عن "حد كبير" يخبئني ويحميني... يعلم هذا أكثر من سواه هو الذي لطالما أيقظته بالهاتف في قلب الليل باكية جزعة من كابوس ما! أشياء وأشياء وأشياء...بعضها يوجع وبعضها يغريك بأن تحيا ما وسعتك الحياة...أشياء بعضها جدير بالتدوين وبعضها غير جدير حتى بالذكر... لكني أدونه لأني فقط بحاجة إلى أن ألفظه خارجي حتى لا يتسمم به بدني. لكني منشغلة هذه الأيام لدرجة أحسست معها أني نسيت كيفية التدوين وأصول الدردشة في موضوعات لا تتعلق بالعمل وقواعد النميمة الحريمي وأني سقطت من حسابات العباد!...وحدها تعليقات بعضكم لفتتني إلى أني مغتربة من دون تدوين... Monzer و ميجو مشمش و e7na وبحلم ...أولئك الذين شغلهم أمري وذكرتني تعليقاتهم بأن في هذا العالم أشياء أحلى من العمل واللحاق بالمواعيد النهائية للتسليم و الاضطلاع بطلبات رب العمل التي لا تنتهي!...إنه الانشغال...لهاث لا يأخذني من التدوين كممارسة فقط, بل يأخذني مما رواء التدوين من تأمل وفك اشتباكاتي مع نفسي ومحاولة فهم ما يجري حولي...شكرا لأنكم افتقدتم "كراكيبي"





أوراق ودارسات وترجمات...التزامات يعلم الله وحده إلى متى أقدر على الوفاء بها قبل أن أصاب بنوبة اكتئاب جديدة تدخلني في شرنقتي حيث لا يقدر مخلوق على الوصول إلي...جسد مرهق وعقل موزع بين أشياء ووجوه وأفكار وصلوات أتلوها في كل ليلة وأنا أعرف يقينا أن الله يسمعها وحكايات أناس يصارعون الحياة من حولي, أطل على عوالمهم إطلالات خاطفة أعرف منها أنهم يخوضون تجربتهم وأتيقن من أني أعجز من أن أغير مجرى حيواتهم...أصدقاء أفتقدهم في البعد افتقادا يوجعني لكني أتجاهله كأنما هو ليس لي...أخبار مصر أعرفها لا من صحفها القومية ولا من صحف المعارضة, فقط الجزيرة أو البي بي سي سريعا مع كوب القهوة الصباحي... أحاديث الاستقطاب المذهبي بين السنة والشيعة و حكايات زواج القبطيات من مسلمين و حديث شماتة النظام الإيراني في أزمة النظام الرأسمالي لا تزال تجري تحت شمسنا! حسن! الأرض بعدها تدور ولم يفتني الكثير على أي حال!في عقلي بقايا من رواية "قطار الصعيد" (ليوسف القعيد) التي كانت آخر عمل روائي فرغت من قراءته قبل دوامة الانشغال هذي...لمحات خاطفة من الرواية تمر بذهني قبل أن أسلم عقلي للنوم, أحاول اجترار بعض تفاصيلها التي هي تفاصيل الصعيد القاسية في فترة السبعينيات لكن الرواية تتوه مني ويغلبني النوم...في غمرة الضغط "أخطف رجلي" لحي شبرا برفقة صديقتي العاقلة الراسية, أتأمل الوجوه في ازدحام شبرا الحيوي المميز, أبتاع بعض مستحضرات التجميل التي لا أجد الوقت ولا البال لاستخدامها لكني أراكمها على "تسريحتي" إلى أن أحن للزينة-أبتاعها من بائع قال إن "قدمي قدم السعد على المحل بتاعه" وأن الحانوت - الصغير أصلا- لا يكاد يتسع لزبائنه منذ وطئته بقدمي! بائع قبطي ظريف ودعني قائلا "بخري نفسك بقى"! فغادرت حانوته مبتسمة دون أن يفوتني ما في كلامه هذا من دلالة عميقة: المصريون مسلمين كانوا أو مسيحيين يلتقون في مساحة الثقافة الشعبية, تلك المساحة الشائقة الدافئة المليئة بأشياء من نوع "قدم السعد" "ووش الخير" و "الناس أقدام"و"خمسة وخميسة" و "عين الحسود فيها عود" وكل هذه المفردات التي هي في بعضها على الأقل –سواء علم هذا البائع الشبراوي أم لم يعلم- متأثرة بالثقافة العربية الإسلامية, وفي بعضها الآخر متأثرة بثقافة قدماء المصريين..."رحلة" قصيرة إلى شبرا التي لا أتردد عليها كثيرا أعود بعدها إلى المعادي -حيث أسكن- بهدوئها النسبي وفي نفسي شئ من افتقاد ازدحام شبرا...في المساء أقرأ أوراقا تقول إن الناس متساوون كأسنان المشط وأوراقا أخرى تهلل للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعزز مبدأ المساواة بين بني آدم المتساوين في الإنسانية وبالتالي في الحق في العيش بإنسانية, وفي الصبح تطالعني فروق مخيفة بين خلق الله في هذه البلاد فأتذكر مقالة فهمي هويدي المفزعة "منطق مخيف ومعقول" وبالتحديد عبارة وردت فيها على لسان سائق تاكسي يقول إذ يشير إلى فيلات السادس من أكتوبر التي تتلألأ في الظلام "يومًا ما سنقتحم هذه «الفيللات» ونستولي علي محتوياتها، ولن تستطيع قوة في الأرض أن تعترض طريقنا لتمنعنا من الانتقام!" تتردد العبارة في عقلي فأقول في نفسي "ربنا يستر عالبلد دي"!في تدويني أعيش –على الأقل أحيانا- حالة من "تدليل الذات" فقط, وفي أحيان أخرى "تخدني الجلالة" و أحس أني أفعل فعل "جهاد مدني" كما يحلو لأساتذتي أن يسموه!!! (إيه الكلام الكبير دة؟!)...وأحيانا أخرى أستعير طريقة باولو كويللهو في فلسفة الأمور فأقول في ذاتي إن كل إنسان يتكلم إلى الله بعمله, فالخباز يتكلم إلى الله بعجينه وأقراصه المخبوزة الساخنة الشهية وهو خاشع أمام فرنه والحداد يتكلم إلي الله بأن يطرق بذراعه القوية على قضبان الحديد والله يرد عليه بأن يلين له هذا الحديد, وأنا أتكلم إلى الله بأن أمارس الكتابة!وأحيانا أخرى- وما أكثر هذه الأحيان- أسقط من نفسي وأفقد يقيني في أن ما أكتب يعني شيئا أي شئ على الإطلاق! وتحدثني نفسي بأنه لا أحد يقرأ وأن من يقرأ لا يتفاعل وأن الأمر لا يعدو أن يكون هكذا: أكوام "الورق الإلكتروني" تزداد ارتفاعا بتلك "الخزعبلات" التي أكتبها مع الكاتبين والتي لا تغير شيئا ...فشوارع القاهرة أكثر ضجيجا من أن تسمع ما تقول امرأة شابة في ركن ما من حجرتها "المكركبة"! وبعدها هذه الشوارع مملوءة بمظاهر عفونة, وما تحت السطح أكبر!نهايته! أنا في هذه الأيام ليس لدي ترف تدليل الذات وفي الوقت ذاته لدي التزامات أخرى ربما يكون فيها حديثي إلى الله تماما كالكتابة, أو هكذا أتعشم... حديث لا يقل "خشوعا" عن حديث الكتابة, لكن لأن الكتابة طريقتي المثلى في الحديث إلى الله وممارسة إيماني فإن الغياب عادة لا يطول كثيرا... حقيقةً لم أتوقع أن يفتقد تدويناتي أحد...لكنكم كنت أجمل من توقعاتي, منكم من ترك تعليقا يسأل عن حالي ومنكم من راسلني على بريدي الإلكتروني يقول" طال الغياب" ويتمنى أن يكون المانع خير...لهؤلاء أقول شكرا على الافتقاد ...واطمئنوا فالمانع خير :-)

My archive restored


من لها المرأة المصرية؟ ومن يجبر ما كسره الفقر في روحها؟ من ينصفها هي الأخرى وهي تحارب أشباح الحياة اليومية التي كلما كبرنا أدركنا أنها لا تقل شراسة عن العدوان المسلح؟! وما سمعت كلمة حلوة حتى على منازلتها أشباح الأرض الضنينة في كل يوم طائعة راضية...وتذكرت قول الشاعر الذي لا أعرف اسمه:الفقر نشف روحها.. وما في الدار لا يكفي لتمليح الوليد...هذي هي الأم التي إن خانها دمع...تجوع......وتدور مثل النحل لكنلا تجد ما يبيض وجههافتلم أدعية تبقت في حنايا البيت...خلفها التقاةُوالصبر عشش في التجاعيد التي امتدت فجعدت الوريد...




"إلحق يا ابني انت وهو...لبنان مولعة!" هكذا صرخت في زملاء عملي الذين -فيما يبدو- اعتادوا شططي! ثم وضعت من فوري السماعات على أذني أتنقل بين الجزيرة والبي بي سي على الإنترنت: تصريحات...دعاوى حوار...رفض...سلاح...اشتباكات...مفردات مخيفة, وأصوات رجال يعنون ما يقولون...و يزيد من قسوة أصواتهم صوت فيروز في مؤخرة رأسي تغني بصوت مخنوق بالألم :"مجد من رماد لبيروت...آه عانقيني" استكثر أحمد مطر يوما على الشعراء أن ينظموا شعر الغزل في "زمن الكلاب والمخافر"...فماذا عن زمن الفتنة الكبرى يا مطر؟ عن زمن حرب الشوارع؟ عن زمن اختلط فيه أمرنا علينا وغلبتنا الحيرة , فما عدنا ندري لمن نوقد شمعة أ و نقرأ الفاتحة وعلى من نصب اللعنات وندعو بسقر! إلى متى يا مطر نصمت عن شعر الغزل والزمن الردئ يأتي بأردأ منه؟! في انتظار المهدي...أو جودو! وحتى انتظار المهدي... استكثروه علي!يسألني: لم الرهان؟ صح...لم الرهان؟ يا سيدي أنا رهاني على من راهنت عليهم كان على خلفية ميراث ذلك الوجدان الجمعي الذي يحمل في طياته حلما بالبطل المخلَص (ابو زيد الهلالي بقى ولا عليَ الزيبق مش مهم...بس ييجي!)...ألم ننحت نحن عبد الناصر صنما تعبد في محرابه من تعبد؟...تمام...لكني لا أظن الأمر -أمر حلم البطل الشقي- قاصرا على أمتنا, ألم يولد روبن هوود من رحم الثقافة الغربية, وهو نسخة لا تختلف كثيرا عن أي من هؤلاء؟؟ ! لك أن تلومني إن كنت أنتظر من وراء حجاب, لكني أحسب أني أنتظر في كل مكان, وأطرق كل الأبواب وأكلم كل الناس وأغضب ما وسعني الغضب وأفكر حد التعب وأتبسم متصدقة في وجه كل المتعبين من حولي عسى يرحمني ربي...فبالله لا تستكثر علي حتى انتظار المهدي في أمة منتظرة بأسرها!وأسأله: هل قرأت مسرحية "في انتظار جودو"؟؟إن هذا الجودو هو الشحصية التي تنتظرها جميع شخوص المسرحية,والكل بثرثر على مدار ساعات المسرحية عن ألمه وعذاباته وعن كيف أن جودو حين يأتي سيخلص الجميع ويغير الكل...لكنه أبدا ما يأتي!!!سامح الله رواد العبثية الأوروبية وعافانا من أن نفقد المعني كما فقدوه...قال لي فتى صديقي من تركيا بعد أن حاول قدر جهده أن يعتنق فكرة وجود الله لكن فشل, قال لي: كم أحسدك لأن لديك واحدا في السماء!! ثم أردف ببراءة: إذا كنت تتحدثين إلى الله أحيانا, فاذكريني عنده , أما أنا فيكفيني أن أؤمن بك أنت! ألا يشفع لي هذا عند ربك ؟! وقال لي آخر, وكان رجل دين مسيحي أمريكي بروتستانتي, وكنت أعطيه دروسا في تجويد القرآن , قال لي: إنكم أنتم المسلمين لا تعرفون التراجيديا!!! فهي ليست جزءا من تكوينكم الوجداني الجمعي...فلم تعرفوا صلب المسيح ولم تختبروا فكرة أنه تألم لأجل خطاياكم, وتؤمنون إيمانا لا يداخله الشك بأن الله "أكبر"...وأنه "مسيطر" على الأمور في عليائه...فكيف تعرف التراجيديا إذن طريقها إليكم؟! لماذا أذكر لك هذا؟ لأقول لك لا تيأس في الانتظار !
صح...كلام عمنا عبد الرحمن منيف صح...الرواية مش مطلوب منها تكون مساحة عشان الكاتب يعمل دعايا لأفكاره السياسية ولا للحزب اللي هو عضو فيه...الرواية مساحة يعكس فيها الكاتب حقيقة أمته ويساعدها تشوف نفسها...عناصرها, ولادها, مؤسساتها... ويخلط دة الأمل في بكرة أجمل وطموح ملو العقول والصدور...وكلمة مزخرفة الرواية أداة عبقرية...بالذات بقى في زمن الكلاب والمخافر بتاع عمنا أحمد مطر...الرواية, زي المدونات في زماننا, تاريخ بديل... نص المسحوقين...نص العالم التعبانة...الناس اللي في التالت اللي التاريخ بينساهم وبيدوس عليهم, عشان تاريخ مكتوب بريشة كاتب السلطان...الحقيقة تلاقيها في الرواية...وفي لحظة كتابتها الرواية -والمدونة- نص محرَض...مليان تفاصيل تتسرب من بين ايديك لخلاياك و أعصابك ولو كره الكارهون... الرواية هي المسيرة الصامتة...متسيبش حد حواليك في ايده قلم الا لما تحرضه على كتابة رواية...أنا باحرض رفقتي من أصحاب الأقلام على التدوين وكتابة الرواية...واللي منهم مالوش في الرواية ولا التدوين يبقى حرضه على النكتة...النكتة صحيح مش بتعيش قد رواية, لكن إذا كانت الرواية مسيرة صامتة فالنكتة مظاهرة صاخبة وإن كانت خاطفة! ولو أني اغتممت أوي لما عرفت إن الروائية المصرية ميرال الطحاوي واحد أوروبي( سمج) قال لها في أحد المحافل الدولية (بعد أحداث سبتمبر): "طيب الرواية فن أوروبي أصلا, انتو بقى ابتدعتوا ايه؟ ضفتوا ايه؟ ايه النص اللي اتولد في رحم الثقافة العربية؟؟" حتى الرواية يا ناس؟! حتى الأقلام الرخيصة والأوراق الكابية اللون التي نسجل عليها تاريخ الست أمينة والواد ابن البواب اللي ندهته النداهة والولية اللي مشيها لامؤاحذة بطال وكل هؤلاء من غير ذوي الوجوه, حتى هذا استكثروه عليهم وعلينا؟ معلش يا ست ميرال...إمسحيها في أنا دي! واكتبي...نكاية فيهم اكتبي...وأما نشوف!
حتى اسم مدونتي يشي بحالة الانتظار التي أحياها ...وسط من يحيونها في وطني...في أمتي...ماذا أنتظر؟ماذا ننتظر؟حين أقول: لي اشتهاء أن أثور, يقول: ثوري بزينتك...بكحلك العربي...فلتكن ثورتك أن تذهبي صباح غد إلى المقهى الإيطالي الفاخر, واحتس قهوة عالية الثمن طعمها يداعب حواسك...و دعي لي أنا الثورة الحقيقية! فهذي أفعال رجال...أنا سأقتل وأدمر وأخرب وأغير وجه العالم لأجلك يا سيدتي...بينما تحتسين أنت قهوتك الفاخرة! ثم قال شيئا ما عن الثورة والحرب وحقوق السجناء...واختفى!ولا هو ثار ثورة رجال, ولا تركني أثور ثورة حريم ولا وضعت الكحل في عيني ولا تزينت...فقط قمت أتعبد مع المتعبدين في محراب ثقافة الاستهلاك, فرحت أحتسي القهوة في المقهى الإيطالي الفاخر يخدمني فتى لطيف مصري الملامح, يبذل ما في وسعه وما ليس في وسعه أيضا ليرضيني وزبائنه من أبناء الطبقة الراقية, وفي يدي جريدة تتحدث عن أشياء من نوع "تسليع المرأة" وتشيئ الإنسان", بينما على بعد خطوات مني, أسمع ركاب حافلة أجرة "بالنفر" ميكروباص يعني, يتقاتلون مع السائق لأنه رفع سعر الأجرة ربع جنيه بحاله! ليه يا عم الريس ؟حرام عليكو؟دي بلطجة؟ ما تكلموا عدل يا بني آدمين انتو!...شوفوا بقي يا باشوات," البنزيم" غلي واللي مش عاجبه ينزل من العربية ويركب تاكسي!وضاع يوم جديد وما تغير وجه العالم!
سيدي...إني أكبر! أكبر وأعرف أني من مدينة يصعب الحب فيها, لأن سماواتها لا تمطر,و لأن عيونها لا تنام, ولأن رجالها لا يغازلونني على طريقتي!أكبر...لكني أبدا ما أتعلم كيف أحيا في مدينة بخيلةلا حرب فيها ولا ثورة ولا مغازلة تروقني!إني أكبر وأدرك أنه لا يناسبني يقين العوام, ولا زهد الرهبان المتوحدين,ولاطموح الساسة,ولا مرواغة النساء ولازينتهنولا ضحكتاهن ولا رنين حليهن!أكبر فأعرف أن براكيني قد تثور...فقط لأجل حقي في أن أضحك وسط عابسين! وما عدا ذلك من مدن تنتظر غزوهاو مناجم ذهب أصفر تنتظر حفرها, و ذهب أسود يستدعي الدبابات, والمدرعات,والبنادق القديمة المستهلكة التي ملّت الاختباء, والمتفجرات من أقصى الأرض إلى أقصاها,فلا يعنيني كثيرا...إني أكبر و جسدي يكبر...ملعونة هي أجسادنا! تلك التي تهرم...تضعف... تنزف ...تلك التي نتألم بها والتي تفقد أطرافها في الحروب, فنترك بعضها في خنادق كئيبة ونمضي...أجسادنا التي تخوننا بغتة ونحن الذين كنا نحسبها...أجسادنا! سيدي إني أكبر,و تكبر معي الحروف والدهشة تكب,روالقصائد الركيكة تبدو معتزمة على أن تلازمني أكثر!
كنت منذ فترة قد ارتحت لفكرة طرحتها إحدى" نجمات" الفكر الليبرالي في مصر مفادها أن الإبداع أي إبداع هو عمل فردي, وأن التغيير لا يتأتى بأيدي الجماعات ولا القبائل ولا الأمم ولا على خلفية الوجدان الجمعي والأفكار الشمولية, بل بأيدي "الفرد" المبدع...ارتحت للفكرة وقلت في ذاتي: فليكن! وداعا للتمحك بالقبائل على اختلافها...فلأكن وحدي وكفى...فلأكن امرأة اللاقبيلة...غير أني ولا أكذبك أحس رخاوة اللا انتماء!إن بي رغبة صادقة في الخروج من الدوائر الضيقة, دوائر الفتاوى المتضاربة والفوضى الخلاقة وغير الخلاقة والسعي المحموم للهجرة... فإن كنت-يا صديقي- تدعو إلى الطريق الرابع الذي لم تسلكه قبيلة من القبائل بعد فقل لنا أعزك الله, من أين يبدأ طريقك هذا ؟ لقد فكرت أنه ربما تكون البداية تلبية أول دعوة أوحي بها :"اقرأ", وقلت في نفسي إننا أمة بيننا وبين الكلمة المقروءة حبل سُري كالذي يغذي الجنين داخل أمه, وانظر لعلاقة الغزل التاريخية بين الخطاط العربي والحرف المكتوب وكيف يجتهد ما وسعه الصبر ليمنح كل حرف شخصية جماليه تخصه ...أين ضاع الغزل بيننا وبين الكلمة المكتوبة المقروءة؟ و حتى ما اعترفنا لأنفسنا بأنا ما نحن بقارئين! تريد منا أن نجتهد؟ نؤصل؟ لم يعلمنا أحد يا سيدي كيف نفعل! وحين رأينا البعض يحاول رأيناه مرميا بكل ما يوجع من نعوت جاهزة... وما عدت أعرف والله من يجتهد ممن يلفق واختلط علي الأمر حتى فقدت القدرة على الاندهاش من أي رأي أو فكرة مهما شذت, فالكل وارد والكل مقبول والنسبية أصابت قلب كل ما اعتقدناه مطلقا... بالله عليك كيف أستفتي قلبا أنهكته هذه الفوضى يا سيدي؟